آراء أخبار الساعة

إنَّ المَوتَ جُثَّةٌ » بقلم عبد القادر الشاوي »

shawy
تأليف nissaa

يعتقد مواطن تونسي، على مشارف السبعين، أن (الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ومتاع…إلخ). الاعتقاد المتداول في التأويل الديني، الشعبي وَالعَالِم، على السواء

ولا جديد في هذا عندما يبلغ به الاستسلام مبلغا عظيما فيقول: (إن القبر هوَّ الصلة بين الحياة والموت)، غير أنه يُترجم ذلك في دُنْيَاهُ وحياته بطريقة غريبة إلى حد ما، هذا مع أن تجربته الكافية في الحياة تُمَكِّنُه، بحسب درجة وعيه فيما أفهم، من بلورة الحكمة وإنتاج رموزها للتعبير عن رجاحة العقل، والقدرة على استخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد ويستفيد منها الآخرون، أو إقناعهم بجدوى الرأي السديد المبني على الإدراك الواعي بمختلف الأوضاع المرتبطة بوجودهم… وخصوصا منهم من لم يبلغ بعدُ شأوَ ما بلغه صاحبنا عبد العزيز العُمَامي عقليا وزمنيا من الاتزان والتأمل في أحوال الدين والدنيا… ولكن السيد العُمامي لا يعنيه من ذلك شيء، فهو في ناحية أخرى، كما يمكن إدراك ذلك من تأويلاته، يمكن اعتبارها خارج العقل تماما، وهي خارج الزمن الدنيوي كذلك.

يَدْخلُ العُمامي إلى قبره المفترض (وهو مُفْتَرَضٌ لأنه لا يعرف مطلقا هل سيكون بالفعل قبره ذاك) بدون كفن ويتوسد التراب، ولا نعرف إنْ كان يهنأ في استسلامه الخالد بما يعلنه من أنَّه (يتدرب على الموت)، ولكن المؤكد أيضا أنه يقوم بذلك وهو في أتم الوعي بوجوده الدنيوي، وقد تجده، بعد الاستسلام، في خوف من موته الخاص. وأضيف إلى هذا أنَّ الوجود نفسه، إذا ما رأيناه في غائيته المطلقة، قد لا يكون، في الواقع، إلا ذلك (التدريب) على الموت، وهو من الناحية الدينية موت في الحياة بالنظر إلى ما يُكَرِّسُه في الذهن وفي الوعي، من حيث الإدراك، من تسليم واستسلام. التمدد في القبر في محاولة للتدرب على الموت لا يمكن أن يفيد الميت بأي شيء، ولن يدركه لأن عقله ذهب بموته، وهو في جميع الأحوال حكاية تروى إذا رواها صاحبها طالما هو موجود على قيد الحياة، وقد تُحْفَظُ بعده كذكرى إنْ جَرَى العِلْمُ بِغَرَابَتِهَا. من يستطيع التأكيد على أن الميت قد يعنيه من/في ذلك شيء؟ الميت مَيِّتٌ وانتهى الأمر.

من الصحيح أنَّ السيد العُمامي يعتبر، على عادة جميع المُعْتَبِرِين الزُهَّاد، أنَّ (دار الآخرة هي الأصل)، ولكنه يدرك ذلك، بنوع من الأسف الباطني المغلف بما يشبه الحكمة المذكورة في القرآن، وهو على كل حال لا يعمل إلا على تصويت تلك الحكمة بلسان شعبي مغرق في القدرية، لأنه، على الأرجح، أفنى حياته فيما يُضَادّ ذلك على نحو من الأنحاء. لأنه من المستبعد تماما ألا يكون صاحبنا قد ارتكب، من زاوية وعيه الديني المتأخر، ما لا يحصى من (المعاصي)، ومن المستبعد تماما، بتعبير آخر، أن يكون قد ولد زاهدا في الحياة، وأنه لم (يسقط)، بوعي أو بدونه، في (مغرياتها). ومن حاصل ذلك أن يكون قد تبلور عنده في سن متأخرة ما يشبه التبرير الذي يزكي به، تزكية ذاتية إيجابية في الغالب الأعم طابعها الرِّضَى عن النفس والسُّكُون إلى براءتها المستعادة، فصولا من تلك الحياة للشعور المريح بأنه لم يكن فاسدا أو منحرفا أو محبا للرذيلة بالمطلق. يخترع المسلم الشعبي لذلك مخترعات عجيبة كقوله إنه كان (مؤمنا عَاصِيا) أو غير واع، والمبرر الأقوى أنَّ حَجَّهُ إلى بيت الله الحرام سيكون في أساس توبته، خصوصا وأنه لم يكن من المُكَذِّبين الضَّالين، وهكذا يصبح لقب (الحاج) لدى الكثيرين في فترات حيواتهم المتأخرة، أي قبل الموت، جواز مرور إلى القناعة والرضا بالمكتوب والصلاح والحكمة وما شابه، ولهم فيه من الناحية الاجتماعية، على أساس الاستعمال اليومي، الكثير من المنافع الأخلاقية والذاتية…

أما صاحبنا التونسي فلم يأته أي شيء مما هو في حكم العادة من الأمور التي قد تدفع إلى ارتكاب المعصية، وقد يكون خضع، بناء على تقدير واقعي يتعلق بمرحلة الشباب مثلا، لمحاولةٍ ما أغرته إغراءً، إلا أنه يُعْتَبَر، بدون جدال، صاحب تجربة طويلة أفناها في حفر القبور، أي على علاقة يومية بشكلين أو أكثر من أشكال الموت: على مستوى التفكير الذي يصاحب الفرد عندما يتأمل حياته ومسراه وخاتمته، وعموم البشر يشتركون في ذلك مهما كانوا لاهين أو متكبرين أو ناكرين. وأما الشكل الثاني فهو المرتبط بتجربته العملية اليومية كحفار للقبور. لا يرى الموت، في الحالة الأولى، لأنه يتصوره بناء على (تجسيد لفظي) مُعَيَّن قد يكون مُسْتَنْبَطا أو مستخلصا من نصوص أو من حكايات أو من وقائع إلخ، بينما هو، في الحالة الثانية، يراه (عيانيا) مُكَفَّنا أو محمولا في تابوت، ثم هو يُلْقَى في حفرة ويُهَالُ عليه التراب وَتُتْلَى عليه القراءات والمحفوظات. إن الموت جثة لا تفارق السيد عبد العزيز العُمَامي.

تعليقات

تعليق