المجلة

الإجهاض من «الطابُو» إلى النقاش العمومي!

ministre-de-la-sante
تأليف fatine

صار الإجهاض حديث العامة، وتحول إلى نقاش عمومي بين مؤيد ورافض لتقنينه، وتطلب من وزارة الصحة عقد مناظرة وطنية شارك فيها مجموعة من الفاعلين في قطاع الصحة، وحقوقيين ورجال الدين والاجتماع والسياسة، وما واكبها من نقاشات على القنوات التلفزية والإذاعية وصفحات الجرائد، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

لا دخان بدون نار، ولا حديث عن الإجهاض دون تسجيل حدث كان سبب إثارته كموضوع الساعة، وتداوله من طرف وسائل الإعلام بشتى أنواعها، حتى يصير حديث العامة. وبالعودة إلى كرونولوجيا الأحداث، فالقضية التي فجرت الموضوع وحولته من «طابو» إلى نقاش عمومي، هو القرار الوزاري القاضي بإعفاء البروفيسور شفيق الشرايبي، من منصبه كرئيس مصلحة النساء والتوليد بإحدى مستشفيات الولادة التابعة للمركز الاستشفائي ابن سينا بالرباط، وفي نفس الوقت يشغل رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري، وذلك على إثر تسجيل بعض الخروقات والتجاوزات التي صاحبت تسجيله  لبرنامج تلفزيوني، بث في إحدى القنوات الفرنسية، قالت الوزارة أنه لم يحترمها أثناء التصوير، مما أحدث ضجة داخل أقسامها.
وكان الوزير الوردي بعث بلجنة تفتيش وبحث في الموضوع، وأكدت في بلاغ لها أن ما تداولته بعض المواقع الإخبارية مؤخرا، من كون إقالة البروفيسور الشرايبي، هو رد من الوزارة على مواقفه معبر عنها في برنامج تلفزي، والذي قال فيه أنه يساند بشكل كبير إجراء الإجهاض الإرادي بالمؤسسات الصحية،  على أنه خبر لا أساس له من الصحة. الدكتور شفيق الشرايبي، بدوره أكد خلال  استضافته في إحدى البرامج الإذاعية، أنه لا يهتم لمنصب رئيس مصلحة النساء والتوليد، بقدر ما يهمه الحوار الذي فتح حول الإجهاض.
الملف على طاولة التشريح
مباشرة بعد واقعة الدكتور الشرايبي، عقدت وزارة الصحة يوم 11 مارس 2015، مناظرة وطنية حول الإجهاض، الشيء الذي اعتبره المتتبعون حدثا بارزا سجل نقطة لصالح الوزارة الوصية، بغض النظر عن النتائج والتوصيات التي خرجت بها، إذ ليس من الهين سواء على المستوى التنظيمي، أو المجتمعي، خلق  توافق حول خوض حوار يجمع مختلف الأطياف المكونة للمجتمع، كما أنه ليس من السهل أن يجتمع المحافظ بالحداثي، وعالم الاجتماع والحقوقي، ورجل الدين والطبيب، ومناصرو قضايا المرأة تحت سقف واحد، للبحث في تفشي هذه الظاهرة التي تعرف يوما بعد يوما تطورا كبيرا، وفتح نقاش جاد حول موضوع يعتبر من الطابوهات لما يتسم به من حساسية. أي قد يكون النجاح في امتحان القدرة على تقبل الآخر، والجلوس معه إلى طاولة واحدة، رغم الاختلاف المرجعي والفكري معه.
مناظرة وضع فيها موضوع الإجهاض تحت المجهر، وفوق طاولة النقاش، تشبه تلك التي توجد داخل غرف التشريح الطبي، لكن التشريح هنا لملف الإجهاض من كل الزوايا والمقاربات بكل جرأة وصراحة وبدون ماكياج، بهدف تأطيره وتقنينه، والبحث لإيجاد حل وسط.
بعض التدخلات كانت من طرف وزير الصحة، الذي أكد أن «القانون المغربي الذي يعاقب على الإجهاض، هو قانون مجحف وجدْ متشدّد، قانون قاس، قانون متجاوز، لا يتلائم مع الوضعية الاجتماعية التي يعيشها المغربيات والمغاربة في الوقت الحاضر، قانون وجب تعديله عاجلا». وذكر أن وزارته ستقدم مقاربة لمعالجة الإشكالية ككل بطريقة شمولية وليس بطريقة قانونية محضة، فقط لأن تغيير القانون لن يحل هذه المعضلة. المقاربة ترتكز على 3 محاور : المحول الأول وقائي يتعلق بالوقاية والتربية الجنسية والإنجابية، المحور الثاني، ولأول مرة في تاريخ المغرب، هو تمكين وتسهيل ولوج النساء، والفتيات اللائي وصلن إلى مرحلة الإجهاض، لتتكفل المستشفيات بهن وبالمضاعفات وهو حق من حقوق الإنسان. في الوقت الراهن، لا يمكن السماح لأنفسنا أن تكون هناك فتاة غير متزوجة وصلت لمضاعفات الإجهاض، ونتركها جانبا، والمحور الثالث : هو تعديل القانون، ولا بد من احترام قيم المغاربة الاجتماعية الثقافية، الأخلاقية والدينية. بدورها السيدة عائشة الشنا، الفاعلة الجمعوية ورئيسة جمعية التضامن النسوي، المدافعة في مسارها عن الأمهات العازبات، أدهشت الجميع بتدخلها العفوي، والذي يحمل الكثير من الحقيقة حيت قالت للجميع : كفى من النفاق والكذب، ولننظر الى مصلحة الوطن والمواطن أولا، وإذا كان المجتمع يريد الحرية الجنسية، لتفعل لها وسائل الوقاية الضرورية للحفاظ على أبنائنا، لكن لا ننجب ونرمي بهم في قمامات الأزبال بالشارع، لا يسمع بهذا إطلاقا وإذا كان الإجهاض لابد منه فيجب أن يكون مقننا.
الدكتور شفيق الشرايبي، رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري، طالب أيضا بتقنين الإجهاض السري بالمغرب، لأن السرية هي التي تتسبب في ظهور مضاعفات خطيرة على صحة الأم، لأنه لا يتم في ظروف طبية سليمة، وتؤدي أحيانا إلى الوفاة. طالب أيضا الدكتور شفيق، بإنشاء مجلس أخلاقي داخل كل مستشفى إقليمي، يضم أعضاء لجنة على رأسها طبيب إقليمي، يليه رئيس وطبيب ولادة، وطبيب نفساني، ومساعدة اجتماعية، ورجل دين، هم من سيحسمون في ضرورة القيام بعملية الإجهاض، داخل المستشفيات العمومية، والمصحات أيضا.
صحيح أن المناظرة عرفت نقاشات عميقة، لكنها لم تفلح في تقريب وجهات النظر، وخرج الحاضرون متمسكين بوجهات نظرهم من ذي قبل، في نقاش رصدته كاميرات الصحافة. التي كانت حاضرة في نقاش حام، عرف مجموعة من المشادات، التي ستزيد حرارتها في القادم من الأيام .
القصر يدخل على الخط
الاستقبال الملكي الذي خصه جلالة الملك محمد السادس  لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق، ولوزير العدل والحريات مصطفى الرميد، والسيد إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، «يندرج في إطار التفاعل والتجاوب الملكي الدائم مع انشغالات المواطن بمختلف فعالياته، وبخصوص القضايا المجتمعية الراهنة التي تطرح الأسئلة الكثيرة، ومنها إشكالية الإجهاض السري. استقبال اعتبر، حسب المتتبعين، بمثابة حدث تاريخي،  سمح بصياغة نص قانوني، حول قضية الإجهاض السري يحفظ القيم والدين، وكذا إجراء لقاءات واستشارات موسعة، مع جل الفاعلين المعنيين، وتلقي آرائهم على مدى اختلافها. الأمر الذي أعطى إشارة قوية، بأن الموضوع وجد له إطارا، ولم يعد يستحمل السكوت عنه، لما يشكله من أضرار اجتماعية ونفسية وصحية، على المجتمع ككل، وليس على الأم المعنية بالإجهاض. ولعله موضوع ظل منذ عقود يشكل «طابو» ويهدد حياة ومستقبل المغربيات.
وبهذا الخصوص صرح وزير الأوقاف والشؤون أن «تعليمات أمير المؤمنين في هذا الباب، تمحورت حول الاجتهاد الذي ينبغي أن تقوم به الأطراف المعنية من أجل التوصل، إلى صيغة تحفظ قيم المغاربة ودينهم، ومن ثم حفظ حياة المغاربة والمغربيات».
في نفس السياق، صرح وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، إن الملك محمد السادس «أعطانا تعليماته من أجل صياغة نص قانوني، حول قضية الإجهاض السري، يأخذ بعين الاعتبار التطورات الجارية، وتعاليم الشريعة الإسلامية».
ومن الأرقام ما يُخيف !
تتحدث الإحصائيات الرسمية عن أكثر من 600 حالة إجهاض تجري يوميا، داخل المصحات الخاصة، وغرف العمليات السرية في المغرب. إحصائيات تضمنها أيضا تقرير للأمم المتحدة، في حين تؤكد أرقام المنظمات والجمعيات الناشطة في المجال، وأبرزها الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري، وقوع ما بين 600 و1000 حالة إجهاض سرية في المغرب، بشكل يومي، وأحيانا يتجاوز الألف بقليل. أرقام مخيفة تطرح تساؤلات عدة، حول الآثار الاجتماعية والنفسية والصحية. إحصائيات مماثلة، تقر بأن كل يوم تقريبا، يتم العثور على 27 طفل حديث الولادة، مرمي به في قمامات الأزبال، أو على قارعة الطريق.
بعض العوامل تجعل هذه النسب في ارتفاع مهول، من بين أهمها : عدم الموافقة على الأمومة الأحادية، ورفض الأب البيولوجي، تحمل المسؤولية، وكذلك الجانب المادي الذي يؤثر على استقرار العلاقات الزوجية. أيضا بعض عمليات الإجهاض تتم نتيجة الضغوط التي يمارسها المجتمع بخصوص ولادة الأشخاص المعاقين جسديا وذهنيا وخروجهم إلى الوجود بإعاقتهم، بالإضافة إلى الحمل الناتج عن الاغتصاب، أو زنا المحارم.
الإجهاض  والحريات الفردية هل من علاقة !
تطالب مجموعة من الجمعيات الناشطة في مجال حقوق المرأة، بتعديل القانون المتعلق بموضوع الإجهاض، وتعتبر أن هناك «عنفا» قانونيا يُمارس ضد المرأة، في هاته الحالة. وتطالب الحقوقيات الناشطات، بالإسراع ضمن تلك الجمعيات والمنظمات بتحيين القوانين، والعمل على تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، التي تساهم أيضا في ارتفاع نسب حالات الإجهاض. ويرى أيضا معظم الناشطين في المجال الحقوقي، أن قضية الإجهاض مرتبطة بشكل كبير، بمسألة الحريات الفردية والشخصية، وهو حق المرأة، في تقرير مصيرها.  ويستوجب تقنينه وفي المقابل، الاشتغال على ضرورة حذف قوانين تحد من الحريات الفردية، منها الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، الذي يُجرم ربط علاقات خارج مؤسسة الزواج، والذي ينص على أن « كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية، تكون جريمة الفساد، ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة». ويبررون الأمر، كون أغلب حالات الإجهاض السري، تتم إذا ما نتج حمل غير إرادي، نظرا للتخوف من العقوبات الجنائية التي يمكن أن يتعرض لها طرفا العلاقة، وخصوصا الشابة الحامل، نتيجة ربطها لعلاقة «غير شرعية» وعدم سماح القانون إطلاقا بربط علاقات خارج مؤسسة الزواج، وتجريمها، وتجمع معظم آراء الحقوقيين، على أن نسب معدلات الإجهاض في ارتفاع وليس العكس،  ويرجعون السبب لممارسة المجتمع انوع من الوصاية والتشدد، فيما يخص ربط علاقات خارج مؤسسة الزواج، وهو يعتبر في رأيهم، تقييدا للحريات الفردية، والتشدد في القوانين الجنائية، التي يستوجب إعادة النظر فيها.
سنة 2012، تفجر نقاش كبير حول ضرورة حذف الفصل 490، الذي يجرم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. النقاش بدأته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بل نادت أيضا بضمان الحق في الممارسة الجنسية بين رجل وامرأة، وتشترط توفر شرط التراضي بينهما. بعد ذلك تناوله الإعلام، وتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وانتهى بخروج وزير العدل والحريات، ليؤكد للرأي العام الوطني، أن هذا القانون لن يتغير.
السوسيولوجي عبد الصمد الديالمي، المثير للجدل، يؤكد في جل تدخلاته للصحافة، أو في الندوات واللقاءات التي يحضرها، أن من حق كل فرد، أن يمارس الجنس قبل الزواج دون قيود دينية وقانونية، ويضيف أن القانون، يجب أن لا يجرم، ويعاقب على إقامة العلاقات الجنسية، قبْل الزواج، وأن لكل فرد حرية الاختيار في ممارساته.
الناشطة الحقوقية والنسائية صوفيا الشامي، تقول إنه كان الأجدر بالمفكرين والفلاسفة وعموم الرجال، لو كانوا متحررين من النظرة الأبوية الذكورية المتسلطة، أن يدركوا أن المرأة لها كامل الحق في التصرف بجسدها طبقا لما منحته لها الفطرة الطبيعية، قبل تشكل الأديان، والمنظومات الأخلاقية، التي تشكلت في حضن المجتمعات الزراعية، والتي صادرت حقها في الحرية بكل معانيها وتجلياتها. لكن للأسف، الجهل المركب بالتاريخ، ساهم على مر العصور في وضع منظومات أخلاقية، تسببت في تبرير كل أشكال العنف المادي والرمزي في حق بالنساء.  يوسف معضور

تعليقات

تعليق