أخبار الساعة ثقافة

الفنان التشكيلي يوسف وهبون لنساء : الناس يموتون لكن لا يسقطون

16--Le-Balai_-technique-mixte-sur-bois,-125-170-cm,-2019.
Avatar
تأليف nissaa

حينما يستشعر المبدع ديستوبيا الانسانية يجترحها في لوحاته وفي كتاباته الادبية، فهل هذا دليل على ان العالم ليس على ما يرام

فكيف استنفر الشاعر والكاتب والفنان التشكيلي هذا الوجود البشري في كتاباته ولوحاته   ؟ وكيف حجرت ريشته على هذا الوباء الفزاعة كورونا ؟

« العربة » هو عنوان لوحة الفنان والكاتب المغربي يوسف وهبون  وهو عمل جديد من وحي الكارشة الوبائية التي يمر منها العالم والتي جسد فيها    الموت ككائن عاجز مستسلم   ملازم لكرسيه أمامه عربته تعج بالجثث التي حصدها وباء كورونا الفتاك مذيلا إياها بعبارة بالفرنسية

Même la mort est impuissante devant cet impitoyable virus. Elle ne fait qu’obéir.

لم يبرح يوسف وهبون الفنان والكاتب والاستاذ الجامعي لمادتي تاريخ الفن والاسيتيقا المقارنة

88940201_2916137778408558_2617932980961673216_n

قلقه حيال مصير الفرد والبشرية   حيث منذ شهور قليلة وبعد غياب عن ساحة العرض اطل علينا وهبون بمعرض بموضوع صادم بعنوان ساخر « العالم بألف خير  » بالمعهد الثقافي الفرنسي بالرباط والذي يكشف عن ما ورائيته ويقول :

لا أنكر ان هناك نظرة يائسة للعالم لذا اخترت هذا العنوان الساخر الملفوف بجملة حيث المنطوق ليس هو المقصود أي ان العالم قطعا ليس بخير، فالإنسان أضحى ينهش شقيقه الانسان في عالم تراجعت فيه القيم فنحن نعيش أكذوبة ما يسمى بالعولمة التي بشرت بتكسير الحدود بين الشعوب وحتى بين الأفراد فيما نرى العودة الى الانغلاق، إلى رفض الآخر و إلى لفظ الأجنبي وهذا خلق توترا كبيرا ينعكس على سلوكيات الأشخاص سواء للذين ينتمون لنفس الشعب او الشعوب فيما بينها ،لكن في اللوحات كما في متن الاضمومة الشعرية الناس يموتون ولا يسقطون احرص على القبض على فجوة   تفسح للانسان فرصة لاستنهاض قواه وإعادة النظر في ما يقع وفي واقعه لجبر الرضوض وللسير قدما وهذا هو ما ترمز له الفراشات في تشكيلة اللوحات

وما المواد المستعملة إلا حشوة الذوات التي تئن من المعاناة ،لم اشتغل على اللوحة وهي رطبة طيعة بل متشنجة مغطاة بعجين مكون من غبار الرخام الدهان الأبيض الفينيلك ورمال البحر الخشن الممزوج ببقايا الصدف المكور وأيضا من قماش الرسم المضغوط   والصق الكل عن طريق تقنية الكولاج على الوجه والجسد إذ يبدو بشعا بشاعة دواخله ،وهنا يصعب وضع الألوان على الشخوص فتقوم بمجهود بدني مضن يقودك داخل الآلام الحقيقية لشخوص وللثقل النفسي والجسدي الذي ترزح تحت وطأته ،فعالم اللوحة بمثابة مرآة للوجود الذي يصعب ويستحيل عبوره بسلام ، فمعاناة الإنسان تظهر من وضعياته في اللوحة وعلاقته بأشياء مهددة لا تخدمه أو تعينه او تصادقه بل هي خصم له وتعاديه وتساهم بشكل كبير في معاناته وليس التي كالمسدس السلسلة الجماجم ، العطش عبر الأنبوب الجاف وأناس في حالة انتظار قطرة ترويهم، لا اعني الماء او أحيل على الاحتباس الحراري بل على الجفاف المعنوي الروحي ، فما تحتاجه البشرية هو زلال الفرح الحب و الصداقة

وعن الفراشة التي استقرت في مجموع تشكيلة المعرض يكشف موضحا :

في بؤرة هذا الاختناق والتمأزق جاءت الفراشة كعلامة للتساؤل حول غد أفضل ، فإن   كانت غالبا ما ترمز للتحول و لشيء سريع الزوال،ومنذر بالموت ففراشاتي مبشرة بالأمل، بالصبر بالتحمل فضلا عن دورها الاستيتيقي فأتت كصدى لوني متناغم مع ألوان أقمشة الشخوص مما أضفى حركية منسجمة على وضعيات الشخوص الجامدة من فرط التشنج فهذه الحركية والمواد الناتئة منحت عالم اللوحة مظهرا واقعيا مما جعل ذاك الوقع على المتلقي الذي ظل مشدودا للوحات في المعرض ربما لأنه لم يتعود على ان يقف أمام جمال البشاعة ، قد اعتبر نفسي فنانا تعبيريا ولا أحب للمتلقي سواء في الكتابة او الرسم أن يكون مسترخيا و أن لا تكون هناك فواصل بياضات تريحه بل اريد عندما يدخل في الحكاية   او موضوع اللوحة أن لا يتوقف حتى يصل الى نقطة على السطر ، ،لكن المقابل نحن اما عمل فني يجب استخلاص الجمال من هذه المعاناة وفق التناغم المحسوب في هندسة اللوحة بين التركيبة والانجاز والإخراج بما يمليه الداعم البصري

الانسانية لا تسقط  

الناس يموتون لكن لا يسقطون » ترتيلة موجعة خطها يوسف وهبون وهو أيضا الكاتب والاستاذ جامعي لشعبتي الاستيتيقا المقارنة وتاريخ الفن ، هذه الاظمومة التي صدرت مرفوقة بلوحات ومنحوتات الروائي والفنان التشكيلي ماحي بينبين عن دار مرسم للنشر

العربة

هذا الديوان الشعري الذي هو كناية عن قصيدة طويلة بثمان مقاطع نقلها المخرج المسرحي أمين بودريقة من الورق إلى الركح بكل تفاصيلها المعلنة والمضمرة ،وجعل من من الشاعر المدون البواح راويا حكاءا فاعلا ومنغمسا في الشروخ التي خلفها يراعه وهو يصف إنسانية دمرها الفراغ وخربها اليأس ليتحول ضمير أنت الذي يخاطب به الشاعر آخره إلى نحن حيث ننوء جميعنا في حبائل تسجننا ونحن نحاول جاهدا الخلاص

إبداعات ماحي بينبين ومنحوتاته حضرت ليست فقط كلوحات انعكاسية على خلفية الديكور والتي منحها السينوغراف عبد الحي السغروشني حركية بمؤثرات تقنية ،لكن الأعمق هو حضورها على الركح حية مجسدة من خلال أجساد بشرية أبدعت في كوريغرافيتها ببراعة كل من الممثلتين زينب الناجم وهاجر الشركي والكوريغرافي يوسف سلمان

هذا العرض الشعري الذي لم يغفل العناصر الرئيسية التي أتت بها الصور المجازية سواء المكتوبة أو المرسومة ليسكن  الفضاء بكثير من الإشارات والايحاءات كاننا نشاهد عالمنا الداخلي مشرعا على الخارج وكما يقول الشاعر وهبون في احدى المشاهد التي نترجمها من اللغة الفرنسية التي كانت صوت الكاتب الممثل في المسرحية :

في مكان ما في الجزء السفلي من الثقب الأسود

تخيل الإنسان يتشنج ويكافح

أنت تتخيله يوزع القبضات في الفراغ

كنت أراه يتقيأ مع الغضب

للاقتران في صلب القلق.

في الكثافة السوداء للعالم

الإنسان ليس سوى فأر مجنون داخل حقيبة مرتحلة « .

هذه الصورة ترجمت على الخشبة بدقة بالغة ،حيث كانت ثلاثة حقائب على شكل لحود تتخبط فيها أجساد المشخصين وهي تحاول الانعتاق للخروج من تلك العتمة الجوانية إلى نور أرحب ، فالحقيبة اللحد والحبال ترمز لقفص وجودي الذي نُدس فيه وكل من يرغب ان ينفلت من عقاله لا تتوانى ايادي خلفية لتمسك به وتجره نحو القاع حيث ترتع الانسانية

الشاعرالراوي بسط واقعنا السوداوي كما هو لكن لم يفقد الأمل فانه يمكن ان ننجو بتقديمه للحب كبديل حقيقي وصادق لكل هته الفوضى الروحية والتصحر القيمي لما لا ان نحب بعضنا وان ندعم بعضنا لننهض حتى نموت ولا نسقط ،

إنهاء العرض بحوض الماء كمفردة موظفة بذكاء حيث انطوت على المعنى والمعنى المعاكس/ كانت العقدة والحل في آن ، فكما غرقت الإنسانية في الماء الحوض يمكن ان تستعمله للتطهر من خبائثها من مآسيها ،هذا ما يستشف وبوضوح من مونولوغات كل من الممثلتين زينب وهاجر اللتان استنبطتا نصيهما باللغة الدارجة من روح القصيدة المكتوبة بالفرنسية بذلك يكون هذا العمل المعنون ب »الناس يموتون ولكن لا يسقطون » بمثابة ورش خلاق لم يسقط في كلاسيكية العروض المسرحية ،حيث منح المخرج أمين بودريقة المساحة للممثلين ليفصحوا ويشاركوا بمشاهدهم من وحي ما استلهموه من الكتاب والرسومات والمنحوتات فيكون فعل التلقي قد تحقق في عملية إعادة قراءة العمل الإبداعي

 فتيحة النوحو

تعليقات

تعليق