آراء

الحياة في الموت

abdelkader-chaoui
تأليف fatine

ذكر (أنخل) أنها قالت في عام 1966 أن على الفنان أن يكون عمله الفني في ارتباط مباشر مع الجمهور… وحين يسرد ذكرياته الأولى معها يروي عنها أنها قالت : على الفنان أن يموت (هل كانت تعني الانتحار ؟) حتى يخلد ذكره في الناس.

انفصلت عن الزوج الشيوعي السكير ذي القبعة الخضراء بعد أن خلفت منه ولدين. ويُروى أن الانفصال كان مصدر معاناة قاسية لها، لأنه كان على المطلقة أن تعول طفلين بدون مورد، غير أنها، كما ذكر (أنخل)، اختارت بذلك الطريق الكريم والشاق، طريق الحرية… يعني أن تتفرغ لما كانت قد دشنته في عالم الموسيقى الفلكلورية، بجدية نجاح، حتى ذاعت شهرتها في كثير من المناطق.
كانت قد اكتشفت في حمى الستينيات بسنتياغو، قبل هذا الوقت، أن زوجها لم يفارق بوهميته مطلقا، وأن الحزب الستاليني لم يُحكِم وثاقه العاطفي، كما لم يهذب سلوكه، لأن الإيديولوجية، في هذه النازلة، عجزت تماما عن مقارعة الذكورة باللّين… وأنه ما فتئ، وهو المدمن، يجد في العلاقات الملتهبة التي يستدعيها الليل والطرب أقوى إغراء للغنم من اللذائذ التي لم تكن له، فيما يبدو، مع الزوجة. ويستذكر (أنخل)، بكثير من الدهشة، ذلك المشهد الذي اقتحمت فيه أمه، وهي تجره من يده بعنف وتحفز، خلوة شبه مظلمة، فإذا في السرير، الذي بدا مركونا في زاوية، امرأة داكنة البشرة تغطي وجهها عارية لا يسترها جلدها… تبحلق مشدوهة في فراغ المفاجأة أو الاتفاق. نحن بإزاء الموقف التقليدي الذي يقود إلى الجريمة : موت « الخائن » أو « الخائنة » أو « الخيانة »…
لا فرق!!!
لقد كانت القطيعة المعلنة مع صاحب القبعة الخضراء ملحة، وصارت بالحجة العاطفية مقررة… وبذلك تأكدت صاحبة (شكرا للحياة… Gracias a la vida) أنها لم تخلق للحياة الزوجية.
يحتفظ (أنخل) بصورة أخرى يظهر فيها صاحب القبعة الخضراء وهو يتجول « مع أمي، في قلب العاصمة، ربما على مقربة من شارع الكتدرائية ». يضيف : أمي تعطي الانطباع بأنها حامل. ابتسامتها توحي بأنها كانت تعيش لحظات فرح وسكينة. أبي يأخذ أمي من ذراعها بقوة، يريد أن يؤكد لمن يرى بأن هذه المرأة له وحده. هل كانت فكرة خاطئة ؟ ربما، ولكن الصورة يمكن تسميتها مع ذلك : في انتظار (إصابيل).. مما يعني أن الحمل لم يمنع الطلاق، ولا هذا التملك الخاص حال دون القطيعة…
وهكذا وضعت يدها، هذه المرة، في يد رجل آخر قَدِم من الشمال (سويسرا) تحذوه رغبة أكيدة في اكتشاف أمريكا اللاتينية… وهو الذي كان يعتبر نفسه رساما ونجارا  في أن، مع درايته بعالم الفنون، ولعله، كما يقول (أنخل) عنه، جرب تعلم الموسيقى فلم يفلح في ذلك، وعاش بين الغجر في (غرناطة) ولكنه ودَّعهم، ثم استجاب، فيما بعد، لنداء داخلي قاده إلى الشيلي حيث كانت المرأة الموعودة.
كان اللقاء الأول يوم عيد ميلادها بالذات. يقول (أنخل) الذي كان سببا في هذا اللقاء : إن كل واحد منهما كان يبحث عن الآخر. وعلى امتداد خمس سنوات سارا معا بدون تواريخ مؤكدة… سعيا وراء اكتشاف عالم غريب غَرَاء. وحيدان التقيا أيضا : هي انفعالية على أهبة الانفجار. هو : لين ومنطو… ظهر عليه أنه قضى أزمانا لا يطلب رفقة… إلى أن طلب يد الأم من ابنها الذي كان قد دله عليها!! وبقيا معا إلى أن كان الرحيل نحو الشمال : ذهبت هي إلى (بوليفيا)، وانفتحت موسيقاها على آفاق فلكلورية مختلفة. عاد جيلبر إلى أوربا « في عربة النسيان قبل انبلاج الصبح »، بعد أنْ لم تنفع محاولات يائسة لاستئناف العلاقة، وتفرغ لمراقبة النجوم بعد أن كسر جميع أدواته الموسيقية كما روى (أنخل).
إلى أن كانت المفاجأة الرهيبة :
ففي ظهر يوم 5 فبراير 1977، على الساعة الثانية زوالا، سُمِعت طلقة قوية، أو ربما لم تسمع، أو لعلها سُمعت، كما قال ابنها، كصوت باب أقفل بعنف شديد. وبذلك أنهت واحدة من أشهر أصوات الغناء الفلكلوري في الشيلي (فيوليطا بارا Violeta Parra) حياتها برصاصة واحدة بعد أنْ « لم يعد في روحها أي مكان للطيور الزرقاء ولا للحمراء ». أما (أنخل) فلم يسمع الطلقة بصوت آخر إلا حين اتصل به أحد أصدقائه، على الساعة الثالثة من زوال ذلك اليوم، ليقول له بحنان وثبات : لقد انتحرت أمك ! فأدرك مباشرة أنها (ماتت) لكي يخلد ذكرها في الناس!!!!

عبد القادر الشاوي

تعليقات

تعليق