آراء

الشقة رقم 4 ..

latifa lbsir
تأليف fatine

من الصعب التكهن بما يحدث في الشقة رقم4  … وأنا أغادر شقتي، كان الباب منفرجا، وكانت الصورة غير واضحة تماما. جارتي الحاجة تجلس أمام كؤوس حمراء مع زوجها ومعها الجارة نعيمة التي طلقت في السنة الماضية، لم يكن الأمر ليشد اهتمامي لولا هرعت الخادمة لإقفال الباب بسرعة بشكل جعلني أرغب لو دعتني الحاجة كما كانت تفعل دوما لشرب الشاي. كنت سابقا أتذرع بأسباب وهمية كي لا أطيل النميمة المجانية، لكنها لو دعتني الحاجة الآن فسأفعل، فالمشهد يغري بمغامرة النميمة. بقيت أقرب الصور : كيف تحضر الجارة المطلقة بتلك الإنسانية وبملابس شبه شفافة، وأين أطفالها ؟ هل تركتهم لوحدهم في المنزل، أم أنهم يلعبون مع أبناء الحاجة الذين يكبرونهم سنا؟ لست أدري. كان المشهد غريبا، ولم تكن لدي أي تذكرة للدخول إلى هذا المسرح العجيب. ما الذي يحدث ويمكن أن يغير من رتابة الطقس الشارد في هذا اليوم ؟

كان مساء السبت يسدل خيوطه الاعتيادية، وكنت ألتحف معطفي وأنا أستعيد الباب والخطوة والانسجام بين ثالوث محرم. أعرف أنه منذ زمن بعيد وأنا أشهد هذه المدينة التي تغير ألوانها كل حين، حتى أنني لم أعد أستطيع أن أضع يدي على المفتاح. صباح اليوم الآخر، كنت على استعداد تام لخوض شيء ما، كان المشهد يستعيد خطواته ببطء والخادمة أصبحت جزءا من المشهد، بحيث أنني تخيلت أنها كانت تستر شيئا ما، شيئا ما سأعرفه بعد قليل وأضيفه للحقيبة التي أدون فيها أحاسيس الآخرين. لكن مرت أسابيع بعدها، ولم أستطع أن أعثر على الحاجة الملعونة وكأنها اختفت وسط المشهد. طرقت الباب، ودعوت الحاجة لتناول فنجان شاي، فرحبت. كانت تبدو مرهقة بعض الشيء، لكن لا بأس من بعض الكعك المنزلي الذي أثنت عليه. كان كعكا مصنوعا من الدقيق والجزر والسكر والزبيب والزنجبيل والملح. كانت الحاجة تستغرب كيف أستطيع أن أجمع بين الحلو والمالح في كعكة واحدة، فقلت لها إن حياتي أصبحت كذلك، وأدخلتها في قلب الكعكة التي صنعتها من خيالي، وفرشت لها مقدمة يائسة عن زوجي الذي بدأ يغادر المنزل ولا يعود إلا في الفجر، وأسقطت دموعا افتراضية وأنا أشك أن تكون هناك امرأة أخرى… أطلت عينا الحاجة بذكاء، وقالت يا عزيزتي إننا الآن أصبحنا مثل السيارات التي تجري الفحص السنوي، لأننا ابتعدنا عن الروادج بزمن بعيد، ولذا ينبغي أن نهيئ لأزواجنا أنسهم في بيتهم الخاص، وشرعت الحاجة تؤثث لي المشهد الصامت وتضيف إليه الحيثيات التي لم أسمعها. كان ذلك غريبا جدا، هل تحولت المدينة فعلا ؟ هل تغيرت مفاهيم مثل الخيانة ؟ الحب ؟ العشرة ؟ الجنس ؟ الحرية ؟ وماذا عن هذا الكعك الحلو والمالح ؟

كانت الحاجة تعيد نسج ما تفعله كل الزوجات المقبلات على المعاش في الحياة الزوجية، كن ابتعدن عن النضارة، وكن ينسجن كفنهن بأيديهن المتجعدة وكأن هذه التضاريس لا تشفع لهن. أصبحت الحاجة تدير جلسات أنس لزوجها في بيتها مع سيدة مطلقة أو أرملة في حاجة إلى المال، وهي التي تسقي بيدها خليلة زوجها، وهي التي تهيئ العشاء المر، وهي التي تنسحب في المشهد الأخير من المسرحية، لتترك زوجها في اطمئنان مع سيدة المساء.

كانت الحاجة تتحدث عن هذا الطقس الاعتيادي الذي بدا وكأنه خارج المدنس، إنه حلال، كما تقول لأنني لا أستطيع أن أجد نفسي في الشارع دون زوج، ودون دخل، ودون وضعية اجتماعية. إن زوجي بإمكانه أن يغادر المنزل إلى غير رجعة، وبإمكانه أن يبحث عن خليلات، ولكن أمام عيني فأنا أستطيع أن أضبط الوضع، أنا خائفة على الدوام.

أصبت بالذهول، كانت المرة الأولى التي أعثر على مشهد من هذا القبيل، حتى أنني لم أعد أصدق هذا التحول الذي يحدث في المدن ؟ هل هو حضارة أم حريات شخصية ؟ كيف نتسامح مع شهوات لا تنتهي؟ ولماذا تحولت العلاقة الزوجية إلى جنس فقط؟ ألا يوجد زمن يربط بين رجل وامرأة؟ ألا يوجد تاريخ ينبغي أن لا تطأه الأرجل؟

كانت الحاجة تمهد لي الأمر، ففي البداية كان ذلك صعبا، ولكن مع الأيام ومع سعادة زوجها أصبحت تشعر بارتياح كبير، خاصة وأنه يشتري لها الهدايا أكثر من السابق، ويثني عليها وعلى حفاظها على الوئام الأسري.

كان المشهد قد بدا غامضا أكثر من السابق، لم أكن أتكهن هذه الخلطة الجديدة التي بدأت تنشر في الطقس، ولست أدري لماذا صار الجنس هو التلف الأول؟ ولماذا تنتهى صلاحية النساء بسرعة البرق؟ وماذا عن أحاسيس الحاجة؟ ولماذا يحدث هذا التواطؤ الغريب؟

في قلب هذه المدينة تلبس الأشياء لغات جديدة، فعوض الدعارة ينبت التفاهم، وعوض الخيانة تنبت الحرية… كان بالفعل ثالوثا غريبا، ولم تفعل الحاجة سوى ما تفعله نساء هي تعرفهن جيدا، وتعرف أنهن جربن الوصفة العجيبة التي تشد أوتار الحبل.

من الصعب فعلا التكهن بما يحدث في الشقة رقم4…

نعيمة سعيدة جدا وهي تصعد الدرج، تستقبلها الحاجة بصدر رحب، وتفرش لها المكان بالورود، إنها نعمة كما تقول، لأنها تثبت غرس الحاجة.

أمسح رجلي قبل أن أطأ عتبة الباب، وأترك الوسخ خارج المنزل، لا أريده أن يدخل… ولا هذه الحرية أبدا…أبدا…

لطيفة لبصير

 

تعليقات

تعليق