أخبار الساعة ثقافة

الفنان التشكيلي نعيم اشماعو الفهري:   آمل أن اترك بصمتي  الفنية في التاريخ

IMG-20170324-WA0040
Avatar
تأليف nissaa

الفنان نعيم اشماعو الفهري هو أستاذ محامي و فنان تشكيلي، متعدد الوجوه والألوان والصور . عرف في قضاياه القانونية و الفنية، وسخر اهتماماته القانونية بالدفاع عن قضايا الناس و قضايا الفنانين أيضا. شارك في العديد من المعارض الوطنية و الدولية، و له تواصل خاص مع السلك الدبلوماسي، و توجد العديد من لوحاته عند أغلبهم، سواء في الوطن أو في بلدان عربية.

س: حين نطلع على العديد من أعمالك، نجد انك لا تحصر نفسك في تيمة معينة كيف ذلك؟

نعيم: هناك تعدد المدارس في الفن بحيث نجد  المدرسة السريالية ، والانطباعية ، و التجريدية… سمتي أنا إذن في الفن هي الخروج من دائرة معينة،  كأن أفتش عن ذاتي في الفن. فحين أكون في سياق رسم لوحة معينة، أنصهر معها بكل قوة وأجد نفسي في دواخلها ، بحيث أنني لا يمكن أن أحصر لوحتي في معنى واحد، معزول، لأنني أعتبرها انفعالات تجعل الفنان بحد ذاته  يرتقي بالفن إلى عطاء. فاللوحة هي عطاء تدخل في سياق تاريخي معين وتتجه للمتلقي بحرية، لذا لا أسجنه في مدرسة معينة، و أترك  اللوحة  بدون سمة أو نبرة فنية كي تجدد منابع ضوئها مع كل رؤية أخرى تجدد دماءها .

IMG-20170324-WA0019

س: ما المتلقي الذي أنت تنتظره، ما نوع المتلقي الذي أنت تأمله ، حيث إننا نجد العديد من اللوحات العالمية  تم تلقيها بشكل مختلف عبر تعاقب الأجيال، و على سبيل المثال لا الحصر، لوحة الموناليزا ما تزال  تحيا بصورة مختلفة .هل  تأمل في مستقبل كبير لما تضعه فرشاتك و عوالمك الفنية طبعا؟

ج: أنا آمل أن اترك بصمتي  الفنية في التاريخ، فالتاريخ هو الشاهد الذي يشمل المتلقي والرائي، لأن الفن هو حس  حتى لغير السامع. ذلك لأن اللمسة الفنية تعطي تأثيرها  كالمخدر تماما، بحيث إنها تثير في الآخر الذي يضع يديه  على اللوحة من خلال  اللمس  أو عبر الاحساس و ما يثيره فيه العمل الفني. لأن الفن هو ثقافة و في حد ذاته هو انسجام  مع الطبيعة و مع الإنسان ككل، وحين يحدث التناغم بين الفنان و المتلقي يكون هذا الأخير  قد فهم  مغزى اللوحة أولا، أو أنه استطاع من خلالها أن يصل الى ما أوحت له بشكل خاص في داخله،و هذا هو المتلقي الذي أنتظره، أن يصل الى معاني متعددة في كل مرة يتأمل فيها الأعمال الفنية في مراحل مختلفة.

cover naaem

أنا  لاحظت بأنك في إعمالك الفنية خصوصا فيما يتعلق بالجسد مثلا، لا تقدم صورة واحدة للجسد بل  صورا متعددة، ولذلك تتنوع لوحاتك بين الصورة الواقعيةالمفرطة في واقعيتها،  إلى حد أننا نجد مثلا صيغ النمط الكلاسيكي للثدي  والخصر بكل  تفاصيله الدقيقة ونجد ما عداها . يعني انك مثلا أسست لشكل جديد في ألوانك و رسوماتك لما يسمى مثلا بالمرأة الحلزون  أو المرأة الملتبسة بشكل ما. ما رأيك؟

ج:  الجسد وما أدراك ما الجسد… أنا أربطه بالروح، إذا أردنا أن نتحدث عن الجسد بكيفية مجردة، نقول: إن الجسد عبارة عن رأس وخصر وما إلى ذلك، وأن الرأس يحمل عقلا إلى غير ذلك ، رؤيتي للجسد هنا تختلف جدا ، حين أرسم الجسد أقصد هنا ( الأنثوي ) طبعا أرى فيه الإباحية وأربط هذه الإباحية باللذة.

س: ما الذي تقصد بالإباحية، فالإباحية لها معنى قدحي؟

ج:  الإباحية يمكن أن يكون لها معنى قدحي في فكر الشخص أو الذي يحاول أن يرفض الجسد المرسوم بالإباحية القدحية، الإباحية أعتقد أنها  أعطت للإنسان تعبيرا فنيا ليس بالتعبير الكلاسيكي،  بل يأخذ الجسد حريته الإباحية هذا ما قصدته منها .

IMG-20170324-WA0026

س:  في التعبير عن نفسه مثلا.

ج: مثلا  الإنسان هو هوية معينة، و هاته الهوية بطبيعة الحال لها عدة تطورات لخلق مفهوم هذا الجسد. الجسد يعني بدون تفكير معمق، لا يمكن أن يرسم جسدا على اللوحة، من الصعب بما كان أن يأخذ الفنان كفنان، وهذه تجربتي الشخصية لإبراز الجسد في كل تجلياته وتشكلاته.

س : هل تقصد الثقافية والاجتماعية، لأننا نعرف أن جسد المرأة هو جسد  مكبل رغم ما يوجد عليه من حرية في الفن ولكنه هو ليس كذلك في الواقع؟

نعيم :   فعلا أصبت حين تكلمت عن هذا الجانب، ولكن لا أنسي فيه كذلك  بعض الجوانب  الاجتماعية الأخلاقية  وحتى الدينية عبر مستوياتها. فالجسد مثلا أنعته  بالطهارة، هاته الثقافة  هي تصور فلسفي علمي ، كأن الكثير من الفنانين القدامى وحتى عبر التاريخ الفلسفي إذا أردنا أن ننطلق من أفلاطون وأرسطو خلال حديثهم  عن الجسد، قد عبروا  بما معناه أن الجسد هو في رسمه مجموعة سلوكات غير خاضعة للاستهلاك، ولكن الفنان حيث يرمز للجسد في لوحته ينسلخ الجسد من تلك  الهوية المطبوعة على الجسد ككل.  ثم هناك أحيانا العنف المرسوم على الجسد، العنف الروحي أيضا، فجميع أشكال العنف التي يمكن أن تعبر عن جسد موشوم بأشياء تنقص من جماليته . هذا نوع من العنف الرمزي الفني على الجسد، و هناك غواية فى الجسد أيضا، وتاريخيا مر الجسد من العديد من المراحل. فهناك من كانوا  يذهبون إلى تقديس الجسد إلى حد العبادة. فإذن حين يتأثر الجسد بلمسات فنية من طرف الفنان، فان هذا الأخير  يزرع في تلك اللوحة روحا، لأن الجسد بدون روح هو مكون فيزيولوجي طبيعي، أما الروح التي يعيشها الجسد يعبر عنها الفنان في لوحاته ويمنحها ضوء آخر.

IMG-20170324-WA0033 IMG-20170324-WA0041

العديد من الفنانين التشكيليين العالميين،  وجدنا أن لديهم حيوات سرية هي التي دفعتهم بأن يبدعوا أشكالا معينة،  أثرت في الفن « سلفادور دالي » مثلا   كان شخصية عبقرية  إلى حد الجنون، و ترتبيه الأرستقراطية أثرت في توجهاته،  هل برأيك هذا النوع من الحيوات التي يعيشها الفنانون تؤثر بشكل  لا وع  في إبداعاتهم  كأنما تشكل رواياتهم  الأسرية التي تؤثر على مسارهم ككل،  لان كل مبدع  له رواية أسرية هي التي بنته، هل أثرت فيك رواية أسرية ما جعلتك تتجه إلى هذا الاتجاه؟
ج: استطيع أن أقول بكل تواضع وبكل صدق، إن  لكل فنان انتماء وليس رواية، لأن الرواية تبقى في حد ذاتها رواية…

س: الرواية الأسرية هي نفس ما تقول الآن :  انتماء و  هو نفس الانتماء  للأب للام للإخوة  لكن لكل شخص غرفة ما تظل معتمة في حياته السرية.

ج: طبعا أتفق معك  على هذا الجانب، أنا مثلا توجهي لرسم جسد كان من سبيل المصادفة المحضة،  كنت في بدايتي أعيش جوالا مسافرا، وكان يحط بي المقام في باريس العاصمة الثقافية العلمية الفنية، و كنت أحيانا أجد نفسي في بعض المدارس الفنية وحتى المعمارية، وكان الطلبة يتجهون  إلى رسم الجسد بصورة تلقائية من خلال موديل. وكنت أنا أتابع بشغف ما يحدث، فأخذت قلم الرصاص، وبدأت أشكل مرات متعددة  حتى تجمعت لدي الفكرة و سكنتني،  وسكنني الجسد حينها  فانطلقت غير مبال بما سيصيب  هذا الجسد  داخل غرفة مظلمة أو مضيئة، المهم أن أعبر عما يخالجني تجاه رؤيتي للجسد العاري  بالخصوص…

IMG-20170324-WA0039
س: لماذا هو عار داخل مجتمع مغلق؟

ج: قصدت بالجسد العاري الذي يعرض بدون لباس و بدون غطاء للجسم كما خلق، فتعبيراته  مختلفة، ويعني ذلك أنه يطلب من العارضة أن تشكل نموذجا خاصا لأنقله على الورق، فأصبحت من المدمنين وكنت خلالها في البدايات أرسم مرة أو مرتين ووجدت نفسي أرسم عشرة حتى عشرين ، كل ما أسعفني الوقت المتبقي لدى العارضة أغتنمه للوحة ، وانتقلت بعد  ذلك الى الانشغال أكثر فأكثر، و حين انتقلت  إلى ألمانيا بحكم  وجود بعض الفنانين هناك،( في ألمانيا عرض الجسد هو أكثر قوة من عرضه في مناطق أخرى فالمرأة تبرز جسدها بكل قوة وغير عابئة بأي شيء  غيرها في البلدان العربية مثلا ) أقول إن الجسد كان مقدسا،  سواء بلباسه  أو بغير لباس.

س:  أتقصد مسيجا  ؟

ج: تقريبا هو مسيج، ولكن في الفكرة فقط وليس بالفعل، وهذا هو الأمر الذي  لا يختلف  فيه فنانان معا. فحين  أرسم الجسد بتعبيراته  فلا ضير في ذلك ، فأنا  أعتقد أن القيود التي يضعها المجتمع والفنان على نفسه فقط من  خلال رسمه للجسم تجعل الفن معوقا أي كأنه يحتاج إلى شخص يأخذ بيده أو يسدي له نصيحة، في حين هو  كأمواج البحر في مدها وجزرها يخضع للطبيعة، والفنان يحاكيه في هذا الغدو و الرواح في رسوماته ، فلماذا نترك هذا الجسد في وضع طابو، بينما  يمتلك كل معطيات وقواسم الحرية، ليتقاسمها الفنانون.

س: أنا معك في هذه الرؤية، غير أنني ربما أنحو منحى واقعيا أخر، هو أن الجسد رغم انه  حر، وأنت تعدد ألوانه في تشكيلاتك الخاصة، نجد بان الرجل لا يعامل المرأة بنفس الحرية،   ونحن نلاحظ بأن المرأة بدأت تتقدم  وتتطور في أشكال و صور علاقتها بالجسد أكثر من الرجل، ما رأيك في هذا الموضوع؟

ج : أعتقد أن هذا الموضوع يرتبط كذلك  ارتباطا أساسيا بالموجات  الفنية للتعبيرات التي يمكن  أن يتركها  الجسد على اللوحة ، تحدثت قبل قليل  عن  طابو  الجسد  عند بعض الرسامين، و لا أتحدث هنا عن التاريخ القريب. ففي العديد من البلدان العربية عمد الفنانون الى صياغة معينة للجسد، وهو امتداد للجسد الحي  لدى الفكر الحر عند الأوربيين لهذا النوع من الرسوم، وهو تجسيد  لا تنتفي معه الأحاسيس. فالفنان  حين يرسم الجسد، يحس إحساسا قويا تكاد الفرشاة تحرق أصابعه، لكنه يجعل من صياغته  أو من هذه  الأحاسيس جسرا للتواصل الثقافي عبر هذا الفن المنقول من الجسد التعبيري الحي إلى اللوحة، آنذاك يصير للجسد رؤية أخرى و رمزية كبرى.

fahry

س: في بعض لوحاتك نلاحظ وجود نساء بمختلف تحولاتها الطبيعية والجسدية، بحيث يمكن أن نقول  بأن هذه الأجساد النسائية هي كأنها تتأرجح بين الجنة والنار، كيف جاءت هذه الفكرة إلى ذهنك وأنت تخط مجموعة من نساء بهذا الشكل؟

ج : أولا تعبير الجنة والنار هو فعلا ما أطلقته على لوحتين  كنت قمت بعرضهما  في معرض جماعي بمدينة الرباط، وعبرت عن اللوحة بالجنة وعبرت عن اللوحة بالنار. هذه اللوحة  المعبر عنها بالنار مستقاة من اللوحة المعبر عنها بالجنة،  وان كان التعبير هو تعبير مجازي لا علاقة له بالجنة والنار، هو فقط وصف معين لحالة معينة كدت أقول إن من يعبث بالجسد أو لا يعطيه حقه،  سيجد نفسه في النار ومن يعطي لهذا الجسد حقه  ويعتني به عناية مطلقة،  سيكون مصيره الجنة، هي صياغة عليا لما أود أن أعبر عنه .

اللوحة الأولى تشتمل على أزيد من أربعين نموذجا نسائيا بمختلف تجلياته وانفعالاته ، وأوقاته الزمنية عبر مساره وفوراته وسكناته،  وابداعاته  وتلقائيته،  يعني كل ما يمكن أن يكون للجانب البوهيمي للجسد ، نشرته على اللوحة واستغرقت مني تلك اللوحة مدة ثلاث سنوات ، وكنت من خلالها أضيف جسدا معينا في الفراغ إلى أن امتلأت اللوحة، وحين امتلأت جعلت من لوحة أخرى امتدادا لها أكثر قوة وكأنني كبرت بمكبر الصوت،  نفس الجسد الأول في تلك اللوحة المصغرة.

وكان يعود صدى الصوت الأول و يتكرر لأنه التقنية الأولية وما كان يسكنني من حس  فني بقوة وعملي في تلك اللوحة بتقنية عرفت قيمتها بعد طول فترته زمنية. فهذا الاهتمام، لا أخفيك أنني خضعت فيه لهزات نفسية،  فحين كنت أرسم هذا الجسد أو ذاك ، كانت تعتريني بعض النوبات أحيانا أقول هل أنا بحس عقلي فني أم أنني أمارس حمقا.

IMG-20170324-WA0019

س : لاحظت أنك لا  تلتزم  بألوان معينة بل  تنتقل إلى أشكال بالأبيض  والأسود إلى غيرها؟

ج : كنت أحيانا أرغب في هذا الاختيار،  يعني أن استعمل الأصفر منعزلا ككل، أو اللون الأخضر مثلا، أو اللون الأسود دون تفاعل لون مع لون آخر.  ولكن هذا الاتجاه يؤثر على الفن لأنه أحيانا يجعلك  عبدا للون الذي تختاره ، فالسواد عند كثير من الناس يشكل الحزن و البياض أيضا يشكل نوعا من الحزن. ولكن تفاعل الألوان فيما بينها هو الذي يجعلها تنتقل من حس إلى حس  وتفتش عن إيقاع معين، وأنا أبحث في كل ذلك عن الجانب الروحي.

س:  ما رأيك في الحركة الفنية التشكيلية بالمغرب بشكل عام؟

ج : قبل أن نتحدث  عن الحركة الفنية في مسيرتها ،  أريد أن أقول إن المغرب  له إشعاعات غنية كبيرة عالمية، بحيث أصبح الفن المغربي يضاهي في فنيته المدارس الفنية العالمية، لكنني أعتبر أن الفن هو واقع وليس معترك لتشويه صورته، وعند الكثيرين أصبحت وللأسف الأولوية للكثير من التبعيات والمصالح  والتناقضات التي يعج بها الفن، فكل على هواه يسير و لا معيار للأفضلية أو الاهتمام بالفن.

لا نجد هنا إعطاء كل ذي حق حقه، فهناك فعلا عدة أسئلة مطروحة، اخذ مثلا منها، تحديد المقارنة بين الفن الحقيقي الذي له شروطه تحدثنا  عنها سابقا ويعرفها الجميع ثم الفن المبتذل أو غير فني  إن صح التعبير، الذي أصبح له تابعوه كذلك دون انتقاء أو دفاع عن الذوق السليم.

cover naaem
س : سوف أقول لك بعض الكلمات و تجيبني بمقابل ما تعني لك..

س- الجمال.

ج-  ربط الواقع باللاواقع.

س- الفن

ج –  مخاض

س-  الحب

ج-  دعيني أجده لكي أتحدث عنه

س: الزواج

ج-  قسمة ونصيب

س –  المستقبل

ج – لابد أن يكون فيه التفاؤل

س-  نعيم شماعو الفهري

ج – رجل يعرف نفسه ويجلس مع ذاته،  ويتفاعل مع واقع مجتمعه ككل.

لطيفة لبصير

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup

تعليقات

تعليق