افتتاحية

الكاريزما الانتخابية ؟

khadija sabil

خديجة سبيل

سرقت الانتخابات الجماعية باعتماد تاريخ إجرائها في الرابع من الشهر الجاري، الأضواء من الدخول المدرسي. حيث قضت أجواء الحملة بكل تمظهراتها الناعمة،  وتلك المغرقة في الشعبية، على الحيز الذي تحتله إرهاصات العودة إلى المدارس، وما تقتضيه من تدابير وهواجس تثقل كاهل الآباء والأمهات قبل الأبناء. ولعل هذا التواطؤ الزمني ليس بريئا، بل  إنه يعكس واقع الحال، من حيث الأهمية والمكانة التي يحتلها التعليم في الأجندة السياسية، والتي لاتراعي أهمية خلق ظروف وإمكانيات حقيقية، تضع العملية التعليمية والتربوية ضمن الأولويات، حتى لو اقتضى الامر تغيير مواعيد الاستحقاقات نفسها، منعا لأي ارتباك من شأن هذا التواطؤ إحداثه. من جهة أخرى،  فقد أظهر الملف الذي خصصناه لموضوع التعليم في البرامج الانتخابية، مدى لبس هته العلاقة التي تجعل إشكالية التعليم في بلدنا، الحاضر الغائب بين خطاباتنا وبين السياسات الإجرائية التي نعتمدها على الواقع. صحيح أن السياسة التعليمية  ليست من اختصاص، أو لنقل من أولويات،  أجندة الانتخابات الجماعية، اللهم في شقها اللوجستيكي. لكن المناسبة الزمنية التي فرضت المقارنة بنظري، تفسر كل المظاهر التي خيمت على أجواء الحملة الانتخابية بمختلف ألوانها السياسية، وأبانت عن مستوى الناخبين والمنتخبين على السواء، في ظل أول انتخابات مابعد دستور 2011 وثورات الربيع. فقد بات واضحا  أنه لازالنا نجتر نفس مظاهر الدكاكين الانتخابية بأبواقها الفجة،  رغم نفحة الرقمية التي لم تقم إلا بكشف عورتها على مواقع التواصل الاجتماعي،  دون أن تخدمها أو تطور من مستوى خطاباتها، بل فقط تعرضها بالمجان صوتا وصورة.

الحملات الانتخابية  الدائرة بطقوس بالية، وبـأساليب تقليدانية مغرقة في التكلف، تكشف عن أزمة حقيقية تمس قدرة الفاعلين السياسيين وخاصة  » الانتخابيين » ، في إنتاج الخطابات السياسية والدعائية لاستقطاب المصوتين. ممارسة تبدو منفرة  لقطاع عريض من الرأي العام  ، ومسهمة على نحو أكيد في  ظاهرة العزوف عن التصويت لدى طبقات اجتماعية خصوصا تلك الوسطى، الآخذة في الاتساع .  من سيكلف نفسه عناء الاستماع إلى خطاب مرتبك،  ومشاهدة  صور « كائنات انتخابية »  ترفل في  ثوب التنافر والارتباك، والعجر عن تخريج صورة منتخب بكارزيما خطابية  وتواصلية. الاستثمار في الديمقراطية وقبلها في العملية  الانتخابية، وبموازاة معها في السياسة، يبدأ من « آلية التواصل » التي لم يحسن المجتمع السياسي المغربي تصنيع نسخة مطورة منه،  للمضي بالعملية السياسية والديمقراطية إلى مستويات مثلى،  تغري الجميع بالانخراط فيها.

كثيرة إذا هي المظاهر والنقط التي يقف عندها كل متأمل لسير العملية الانتخابية،   وتبقى سمتها البارزة استمرار الإعتماد على نفس الأساليب التقليدية في استمالة أصوات الناخبين،  والاعتماد على نحو فج  على الشعبوية . من يحسن التفاعل مع الناس في الرقص وضرب البندير،  ومن يأخذ مكانا عند بائع الهندي، أو في أي مكان يزيح عنه « هالة البرج العاجي » الذي يمتطيه بمجرد أن يظفر بأصوات المنتخبين.  ناهيك عن استمرار المال  مقابلا للصوت ، ومازالت الولائم مطلبا ومجالا للاستقطاب، ولازالت القبلية مسلكا للبعض وحماية له من منافسيه،  حتى لو كانوا أحق منه بالفوز. لكن ما خلق الحدث خلال هته الحملة بنظري، هي الخطوة الماكرة التي أقدم عليها المرشح الوزير سابقا ، مثيرا استفزاز أول امرأة  كاتبة عامة لحزب مغربي وهو يعيدنا إلى مربط الفرس، كاشفا عن عقلية ذكورية غالبة على  تعاطي المغاربة مع المرأة في السياسة، وفي مختلف مراكز القرار بشكل عام.

تغريدة المرشح الوزير السابق كشفت الوجه الآخر لواقع النساء في بلدنا،  والذي يجعل من العقلية الذكورية كيفما كان مصدرها، رجلا أم امرأة،  أكبر عدو للمرأة.  وقد عاينت ذلك مرة أخرى من خلال ميكروترتوار أجرته إحدى المواقع الإخبارية مع مواطنين في الشارع، وكان السؤال هل يفضلون التصويت على رجل أو على  امرأة.  فكان جواب الذكور موزعا بين اختيار الكفاءة،  أو المرأة بفضل كفائتها،  أو لتأخذ فرصتها في التدبير. وفي المقابل جاءت آراء السيدات كلها ضد المرأة،  حيث يؤكدن و أحيانا باستهزاء، أنه لامجال للتفكير : فالرجل بالطبع هو الأحق..

ولعلي  لن أجد ابلغ  من قصة  عشتها صباح  يوم كتابة هذه  السطور،  في كشف  مفارقات  العمل الانتخابي . فبينما أنا واقفة بسيارتي في إحدى الإشارات الضوئية، نسيت نافذة سيارتي مشرعة، وهي مغامرة لا تحمد عقباها في مدينة كالدارالبيضاء، والمفارق أني كنت أستغل الوقت للرد على رسالة هاتفية، حتى داهمني صوت شاب وهو يلوح بورقة دعاية لمرشحين لاداعي لذكر الحزب الذي تعبر عنه. ففزعت وكدت أصرخ معتقدة أنها يد لص  تربص بي،  ويريد الاستيلاء على  هاتفي ، فما كان من الشاب إلا أن ضحك ، وهو يقول لي : « خفت أن أسرق هاتفك، عافاك خذي هاذ الورقة وقراي أشنو كاتبين الشفارة ديال بصح » ، ضحكت وأنا أستغرب كيف ترغم ظروف البطالة والقهر هذا الشاب وأمثاله،  في الترويج لحملة من قبل شخص لا يؤمن بمن اعتمدوه  لمهمة الترويج لهم  ولبعض أفكارهم بين الناس، و قال  إنهم يسرقون  احلامه  وأحلام جيله ، بوعود كاذبة يفضحها الواقع بعد الحملة بكل غبن.

تعليقات

تعليق

loading...