افتتاحية

النساء غير المرئيات

Mme-Khadija-Cadre
خديجة سبيل

ثمة إحساس جماعي لدى العديد منا نحن النساء، بأن العالم لم يتغير كثيرا بالرغم مما تحقق من مكاسب مشهودة، فإن الشعور بالاغتراب المتعاظم بين النساء تجاه تجربة العيش في المجتمع المعاصر، مازال سيد الموقف، مما يدفع للتشكيك أحيانا في أن النضالات النسوية كانت مضيعة للوقت، وانحرافا عن لب المواجهة في البحث عن غد إنساني أفضل.

كارولين كريادو بيريز ذات خمس وثلاثين سنة، نسائية بريطانية شابة، نشرت في العام الماضي كتابها الذي أحدث به ضجة عن « النساء غير المرئيات » ، والذي أزاح اللثام ، و من خلال معطيات ملموسة، انحياز المعلومات في عالم مصمم للرجال. وقد تسبب الكتاب في صدمة إيجابية في المجتمع الأنجلوفوني، دفعت حكومات كثيرة وشركات كبرى للتواصل مع المؤلفة، واستشارتها بشأن تعديل منهجياتها في جمع المعلومات لضمان مستوى عيش أفضل للنساء، سواء أكان في إطار التشريع وتنفيذ السياسات الحكومية، أم تصميم الحلول الاستهلاكية. وأول من بادر إلى تفعيل مقترحات الكتاب، كانت الوزيرة الأولى في اسكوتلاندا نيكولا ستورجين، التي فور اطلاعها على مضمون الكتاب سارعت إلى تشكيل مجموعة عمل رسمية للنظر في طرق إزالة الإنحياز الجندري من المعلومات، التي تستند إليها حكومتها أثناء اتخاذ القرارات.

جمعت كريادو في كتابها الذي نال عدة جوائز، العديد من المعطيات والإحصائيات المثيرة، استقتها من مئات الدراسات العلمية دلائل إثبات لنظريتها التي تقوم على اعتبار كون العالم المادي الذي أنتجته الحضارة الغربية، ويسير على نهجه أغلبية البشر في العصر الحالي، مصمم في تفاصيله المادية حول الرجل « الأبيض الغربي » بشكل خاص، جعل من النساء كائنات خفية وغير مرئية. و كانت أمثلتها على ذلك كثيرة، بدءا من الطرق المعتمدة في تصميم إجراءات السلامة في السيارات أو سياسات التعامل مع النوبات القلبية، أو حجم أجهزة الهواتف الذكية المحمولة، إلى هندسة الطرق وبيئة المباني وغيرها من التفاصيل، التي توحي بأن كل المواصفات والمقاييس والتصاميم تبدو مبنية بشكل شبه كلي على معلومات جُمِعت عن الذكور. وهذا ما يفسر بنظر الكاتبة دائما حقيقة اختلاف الحاجات المادية والنفسية والفيزيولوجية للنساء عن الرجال، مما يجعلهن عرضة للأخطار والإكراهات اليومية المزعجة. وفي حاجة إلى بذل جهود إضافية في إنجاز المهمات المختلفة، سواء أكانت ذاتية أم مهنية. وعلى الرغم من أن الكاتبة ترى أن هذا التراكم التمييزي، ليس مؤامرة من الرجال ضد النساء، بل هو، وربما ومن دون قصد، فشل في تذكر أن 51% من سكان الأرض من النساء، لكن هذا لا يعني أن الفجوة في بيانات تصنيف الجنس ليس لها تأثير خطير على حياة النساء، والتداعيات المترتبة عنها في عالم مصمم للرجال ليست بالخطيرة فحسب ،بل إنها قاتلة في بعض الأحيان. تستشهد الكاتبة بالعديد من المعطيات على شكل وقائع أو إحصائيات، ومنها حتى الملاحظات البسيطة، التي تؤكد نظريتها في كون العالم مصمم للرجال، منها على سبيل المثال، عدم وجود مصابيح كافية في الشوارع، تجعل السيدات لايشعرن بالأمان، وغياب مرافق رعاية الأطفال في أماكن العمل. خاصة مع عدم وجود مساواة في تقاسم الأدوار في رعاية الأطفال و مختلف الأعمال المنزلية، التي ينظر إليها مهامَ نسائية بالدرجة الأولى. وهذا ما يجعل الكاتبة تؤكد أن الحل ليس فقط في زيادة عدد المصابيح أو توفير مرافق الرعاية، بل أولا في تغيير النظرة إلى طبيعة وجود المرأة من خلال تغيير العقلية والسلوك والمواقف، واعتبار أنهم أنفسهم أي « الرجال » جزء من الحل. أما على مستوى الأرقام، فلم يفت الكاتبة تسليط الضوء على قضية الفوارق التي تطال أجور النساء أيضا، مقارنة مع الرجال، وكذلك ما يتعرضن له من عنف داخل وخارج البيت، ومن تمييز في سوق العمل بشكل عام، وبلوغ مراكز القرار بشكل خاص. لم يفت الكاتبة في كتابها هذا كشف انحياز البيانات في عالم « مصمم للرجال » تفاصيل أوسع للتمييز الجنسي في علم التكنولوجيا، ترصد أوجه القصور والتمييز، التي تهمش النساء ومجموعات أخرى كثيرة من البشر كذوي الاحتياجات الخاصة. ملاحظة وجدت صداها لدى العديد من الخبراء، لتوسيع توجهات ما يعرف باسم « فيمتك » (femtech) أي التكنولوجيا المعنية بالاستجابة للنساء، بهدف إعادة التوازن إلى توجهات الأجهزة والبرامج في التعامل مع الجنسين. وهو مصطلح لقي اهتماما كبيرا في العديد من المؤتمرات والدراسات والمشاريع، أصبحت معه التكنولوجيا الصحية، مثلا والتي تركز على حاجات النساء من قضايا الحمل إلى انقطاع الطمث تحظى بالإشادة باعتبارها إنجازات كبيرة، بغض النظر عن حمولتها التجارية. وهذا هو المفهوم الحقيقي للمساواة في انعكاسها على تدبير الحياة اليومية للنساء، وجعل وجودهن في هذا العالم مرئيا في الواقع وليس في الشعارات والاحتفالات الموسمية التي جعلت من يوم المرأة العالمي مسابقة في توزيع الورود واحتفالات تفرغ المناسبة من فلسفتها الحقوقية والنضالية. فمن قال أننا لم نعد في حاجة ل ثامن مارس، حتى وإن كان في زمن الكورونا.

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق