آراء

براقش عبد القادر الشاوي

abdelkader-chaoui
تأليف fatine

أقسم بحق الحياة أنني سرت في جنازتها، قبل ثلاث سنوات يوم 7 مارس بالذات، منكس الرأس مشحون بالألم. لا أعرف لماذا؟. هاتفني (مارتين دونوصو) فهالني النعي المؤثر في بداية الأمر، وحين تدبَّرت مصابه أجهشتُ بالبكاء مع أنني لم أعرف (بيلار)، ابنة عم (مارتين)، إلا لفترة قصيرة، ولم أتعرف على أحوالها النفسية المحبطة إلا لأقصر من ذلك، وظل التباعد الشخصي، غير المقصود، لَسْعَة تُوخِزني كلما تذكرت ذلك العناق الكهربائي عند مدخل بيتها المطل على حديقة بديعة رعتها في أوقات العزلة واليأس. غير أن علاقة انجذاب معنوي خفية، هكذا أحسبها, قامت بيننا منذ أن حكت لي، بتأثر بالغ، ذكرياتها عن الزيارة التي قامت بها صحبة أبيها الروائي المعروف (خوسي دونوصو) إلى المغرب في الستينيات، وكذا عندما حكيتُ لها أنا أيضا، على سبيل التقرب، ذكرياتي المفرطة عن بلدها الجميل اللعين. ما يقوم بين شخصين غامضين هو نفسه الغموض… أعرف الآن هذا يقينا، وأندب الحظ العاثر الذي قلص من فُرَصِ الوضوح الضروري الذي كان عليه أن يكاشفني بها، أو أن تكتشفني به… لو عَلِمَتْ أسراري المحبطة مثلها. غريبة تصرفاتُ إنسانِ يرى نفسه عاقلا وهو بَاردٌ، في كثير من الأحيان، كَكِتاب تراثي مركون في رَفٍّ!. كانت (بيلار) حين شرعت في الكتابة عن أبيها قد قلَّبت جميع الورقات التي تركها في عُهْدة معهد أمريكي، وقرأتْ جميع كتاباته الروائية والأدبية، وأحاطتْ بمختلف أسراره، وراجعتْ كل ما كتبه عنه الأصدقاء والخصوم والنقاد، والأهم من ذلك أنها استعادت، في لحظات تأمل وغضبٍ، حياته المعقدة على امتداد سنوات العمر، منذ أن تبنَّاها إلى أن شبت عن الطوق، مرورا بالمرحلة الشاقة الشقية التي أدركت فيها، بوعي حاد، أن عليها أن « تعرف » أبويها البيولوجيين، فلم تفلح في ذلك أبدا. الحصيلة في هذه البحث: كتاب رائد، نابه، عنيف ومرهف الحروف موجع البيان، قال عنه (برغاس جوسا): « إنه كتاب مشرق كُتب باقتصاد وبتكتم مفروض، وبصراحة تقطع الأنفاس، وهو كتاب غريب وبديع ». ومن صدف هذه الكتابة أن (بيلار) قرأتْ، في طور الإعداد، « رواية غريبة » تركها الأب (خوسي) غير مكتملة ولم تنشر مطلقا، عماد أحداثها شخصية فتاة متخيلة تدرك، في سنوات العمر الأولى، أنها متبناة من قبل أسرة، فتشرع في البحث المربك عن أصلها البيولوجي، ولكنها لا توفق أبدا في الوصول إلى أية حقيقة… فتنهي حياتها شنقا، كطريقة تراجيدية، ربما، للاحتجاج على الغموض أو اليأس من بلوغ تلك الحقيقة… لأننا نعرف أن هشاشة الكائن لا موضوع لها ولا أصل، فيكون البحث عن المفقود من باب تكريس الفقد. ولما استوى كتاب (بيلار) ونُشِر في أواخر 2009 في الشيلي، كما في المكسيك وإسبانيا، صار يضرب به المثل في المنهجية التي ألفت بين الحب والكراهية ، بين الغضب والعنف، إلى جانب الدفء والحنان، هذا فضلا عن سلاسة أسلوبٍ بلاغَتُه البوح… إلخ، أي تلك التناقضات التي إذا استوت في الكتابة البيوغرافية جعلت من منجزها المسكوك فِقْها للتعرية. وبمجرد أن صدر الكتاب وذاعت شهرته حتى، ظهرت، وياللهول، غرابة الأشياء كلها: فقد تصدى أفراد من أسرتها الكبيرة لمهاجمتها بدعوى أنها عرَّت حقائق، وأشارت، بالخصوص، إلى مِثْلية أبيها الجنسية. تنكر لها زوجها فانفصل عنها، ولم تقف إلى جانبها سوى صغرى بناتها، فيما نجح الأب في استمالة الأخريتين فافترقتا عنها إمعانا في الإهانة والتنكر. غرقت (بيلار) في الوحدة واليأس كأنها لم تكن تقدر أنَّ في جوهر الكتابة البيوغرافية دائما محاولة مضمونة للكشف، وأنها بنشر الكتاب قد تحررت من واقعها كله بما في ذلك عقدة الأب… ثم زادتها الاستجوابات الصحفية، تلك التي أعلت من شأنها وجدية كتابها، حزنا وهشاشة. كانت قد جربت الانتحار في محاولتين سابقتين، إلا أنها نجت في إحداها، على الأقل، كما قال لي صديقي (مارتين)، بأربع دقائق صغيرة فقط من الهلاك. أما هذه المرة فقد أفرغت (بيلار) في جوفها، بعد أن فرغت من قراءة تلك « الرواية الغريبة » التي كتبها الأب عن شخصية الفتاة المتخيلة، وبعد أن أعياها البحث الضائع عن أبويها البيولوجيين كذلك، علبة كاملة من الأدوية السامة،… ثم لم تنهض أبدا، أيْ نَعَمْ، من انتحارها الخاص، لأنها طبَّقت على نفسها في سن الأربعين نفس الفعل الروائي الذي توقعه الأب بالتبني. وقفتُ أنا إلى جانب صديقي (مارتين) يوم الجنازة ، ولم أقل له ذلك التعبير الحزين الذي تلفظه الشفاه في أسى وبلاهة. كانت الدموع بيننا تعزية. وها أنا أدرك، في السابع من مارس بالذات، أنه لم يبق لي من (بيلار) إلا الكتاب الفاضح والعناق الكهربائي عند مدخل بيتها المطل على حديقة بديعة رعتها في أوقات العزلة واليأس.

* كاتب ودبلوماسي

تعليقات

تعليق

loading...