افتتاحية

تعددت المظاهر.. والإرهاب واحد

khadija sabil

حادثة « فتاتي إنزكان » و « مثلي » فاس وجهان لحالة التيه والفوضى التي أصبحت تحكم تفاعل الشارع المغربي مع قضايا محيطه ومع الراهن الذي صار يختبر منظومة القيم التي تحكمه، ويضعها في محك مواجهة عقيمة. كما يفضح التركيبة الغلط التي بنينا عليها أسس مواطنتنا وأسس تعددنا الثقافي، وتوحد مذهبنا الديني الذي اعتبرناه نموذجا للإسلام المنفتح على قيم التسامح. لقد كشفت الحادثتان معا، حقيقة العقليات التي تعيش بيننا، وكيف أنها قد تصبح مشروع  » دواعش » تمنح لنفسها حق تنفيذ « شرع الله » أو تطبيق الشريعة في من تعتبرهم خارجين عن « الطريق الصحيح؛.  حالة « السيبة » التي حاول المعتدون على فتاتي إنزكان وعلى المواطن « المثلي »، ماهي إلا وجه آخر للتطرف، ومظهر من مظاهر الإرهاب، الذي لا يختلف بنظري عن أحداث جمعة الغضب، في كل من تونس والكويت وفرنسا. الأسباب نفسها رغم اختلاف السياق، هي التي أعطت الحق لطرف في التعدي على حرية الآخر، سواء تعلق الأمر بحرية اللباس، أو حرية الهوية الجنسية، أو حتى حرية ممارسة الحق في الحياة، أو الحق في الاختلاف المذهبي أو الطائفي، أو الديني ككل.

تعددت المظاهر، لكن يبقى الدافع نفسه، يتلون بحسب المصلحة والسياق. جريمة مسجد الكويت حركتها صراعات سياسية تتخذ من الطائفية والمذهبية مظلة لبلوغ أطماعها السياسية، وطموحاتها السلطوية. جريمة باريس مظهر آخر من مظاهر الإرهاب، الذي يتغدى من الحقد العرقي، ووهم « الجهاد » المزعوم. جريمة تونس بلغت التطرف في الوحشية، وكانت شاهدا على أسلوب الشحن والتخدير الأعمى، الذي تختار له التنظيمات الإرهابية أشخاصا بعينهم، للتعاقد معهم على صفقات القتل المأجور، وبالطبع لا يكون وازع الجهاد دينيا بل ماديا بضمانات مختلفة حسب وضعية كل « جهادي ».

فماهي ياترى الدوافع في حالتي ما أصبح يعرف بقضية صاية أو تنورة فتاتي أنزكان و »مثلي » فاس؟ ما من شك، في أن المواطنين المتورطين في الحادثتين ركبوا بدورهم على إيديولوجية، أو لنقل فكرة حماية المجتمع المتدين وحراسة منظومته الأخلاقية، وهو ما يتعارض مع صورة المجتمع المبني على الخلاف والتعدد والحرية.

عودة إلى شريط الأحداث،  لم تكن الأسباب في الحالة الأولى، كما جرى الترويج لها في البداية، أي أن بائعي السوق الشعبي بمدينة أنزكان، استفزهم لباس الفتاتين، في يوم عادي حار، وليس في أيام رمضان كما يروج البعض أيضا، بل أن ما حصل لم يكن سوى رد فعل على محاولة التحرش الفاشلة التي حاول القيام بها شابان من الباعة، أو من الموجودين لحظتها في السوق، فجاء الانتقام بافتعال حالة من الفتنة، هيجت الجميع ضد الفتاتين، وباتوا فجأة  حماة أخلاق وفضائل، مدعين استفزازا دغدغ أحاسيسهم، ومس مشاعرهم الدينية، وأيقظ فيهم ضمير التغيير ضد  ما اعتبروه منكرا في واضحة النهار، فأعطوا لأنفسهم ذاك الحق المزعوم في تغييره، بكل ما أوتوا من حمولات وعقد ذكورية، كان على الفتاتين، تحمل أوزارها بكل ظلم وهمجية، بل أكثر من ذلك، عوض أن تسعى الشرطة لحماية الفتاتين، وتنتصر لدولة المؤسسات، حولت الضحيتين إلى جناة، وحملتهما أمام الملأ في سيارة الشرطة كأي مجرمتين وتأكيد التهمة في محضر رسمي.

في حادثة فاس، صرح الشاب المثلي في فيديو صحفي بالأسباب الحقيقية التي حولته في لحظة إلى فريسة وغنيمة سهلة النهم، من كل الأماكن وبكل اللغات. أصل الحكاية كما يرويها الضحية، أنه دخل في نقاش مع سائق الطاكسي الذي كان من المفروض أن ينقله إلى وجهته، قبل أن يغير السائق رأيه ويطلب من الزبون النزول، لأنه لن يأخذه إلى المكان المطلوب. وطلب منه أداء حق المسافة التي قطعها، جاء رد الشاب طبيعيا، ورفض الاستجابة لطلب السائق، مادام هذا الآخير قد تراجع من تلقاء نفسه على أداء خدمته. فنزل من السيارة بعد أن لمح سيارة أجرة أخرى، فما كان من السائق إلا أن تبعه وتهجم عليه، بل أخذ منه هاتفه المحمول، وهو يصرخ في الناس : هاذا « خنتى » خاصوا يتعاقب، لم يتردد ممن تستهويهم مثل هته الحوادث من الانضمام لتلبية الطلب، وهم يصفون حساباتهم بدورهم، ومرة أخرى باسم الدين والفضيلة، مع عقد الحقد والكراهية التي تعشش في نفوسهم المريضة والحاقدة، على أوضاعهم البئيسة. ونسوا أن الشخص المعني هو مواطن قبل كل شيء، جريمته الوحيدة أنه لايخفي ميوله الجنسي، وكما أكد، فرضته طبيعته الفيزيولوجية والنفسية، وهو يتسائل بكل عفوية : « الله خلقني هكذا وهو أدرى بظروفي، وهو من يحق له النظر في حالتي، وفي حالة ارتكابي لمخالفة، فالشرطة من يحق لها متابعتي »، ليخلص إلى القول : »أنا خائف ومرعوب ومهدد بالقتل من عائلتي قبل الناس، وعلى الدولة حمايتي ». المسكين، الحماية كانت بالنسبة إليه طلب اللجوء للعيش في بلد آخر، يتفهم اختلافه، ويضمن حقوق مواطنته. طلب انساني مشروع، يخفي قلقا حقيقيا حول مصير حقوقنا الإنسانية،  في الحرية والاختلاف والتعدد. خوفي أن يصبح طلب « مثلي » فاس طلبنا جميعا بعد أن تنجلي ضبابة التسامح والاختلاف والتعدد التي بنينا عليها كل أحلامنا.

خديجة سبيل

تعليقات

تعليق