أخبار الساعة افتتاحية

خديجة سبيل تكتب  :الجب والحب

تأليف nissaa

ريان.. اسم  قبل أن يتحول إلى « هاشتاغ » بكل أعلام بلدان المعمور، كلمة السر الغريبة، التي وحدت مشاعر الناس من كل الأوطان والديانات واللغات،  صار كلمة شدت أنفاس العالم بكل ترساناته التواصلية الحديثة والتقليدية، وهي تتابع مصير طفل صغير في قرية نائية وسط سلسلة جبال الريف، بكل حمولتها الثقافية وتداعياتها الإيكولوجية.

تلك القرية غدت مركزا للعالم على مدى أيام خمسة، وأصبح معها الطفل ريان المحور والأمل الذي يختزل باحتباسه في عقر جب،  كل معاني الوجود، وفلسفة الصراع من أجل الحياة. من عقر ذلك الجب كان ريان  يوقظ قيم الحب والإنسانية فينا بشرا من كل الأطياف. ماذا حرك فينا ريان؟.. ما سر هذا الإجماع العاطفي حول واقعته وحكايته وشخصه؟، ليكون بداية درس جديد في الحب، ومحرر جحافل الإنسانية من تكلسها. لقد وضعتنا الواقعة في مواجهة حاسمة ومكثفة مع أنفسنا..ماذا لو كنا مكانه؟.. نبدو قلقين مستعجلين، وكأننا نواجه نفس المصير، ونعاني من نفس الاختناق والضيق و شدة الاحتضار التي عشناها مع ريان لحظة بلحظة، هو من داخل جبه، ونحن من داخل جب آخر، فيه تحررت العين من غشاوتها، وتفتحت بصيرتنا على ما حول أعيننا،  وقد اخترقت الجبل الذي كان يحيط بالجب وتطلب إزاحته أياما بلياليها.. جرافات وقبلها سواعد رجال وأيادي نساء. كنا نسمع نبض ريان ومايدور في عقله الصغير قبل أن يفقد وعيه ويتوقف قلبه، وكأنه صوت واحد بقوة ملايين الأصوات، تحرك القعر الراكد فينا، فأخرج منا، كل على شاكلته، ذاك المشترك الإنساني.

 لن أروي هنا تفاصيل حادثة صارت أشهر من نار على علم، ولن أقف عند الكثير من الظواهر التي أفرزها الحدث، خصوصا قوة وسائل التواصل الحديثة في بسط نفوذها على الراهن وتحريك مجرياته، والتحكم في درجة تفاعل مستعمليها. و قد اكتفي بالإشارة إلى استعادة الإعلام المرئي التقليدي، وأقصد هنا القنوات التلفزيونية، على الخصوص، لمكانتها التاريخية في نقل سير الأحداث، وتأكيد صك المصداقية والمهنية. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون… كما لن أشغل بالي وبالكم بأولئك الذين ركبوا على الأحداث، وسارعوا في خلق مزيد من المتابعة لصفحاتهم مدفوعة الأجر، وفي الرفع من سعرأسهمهم في بورصة « البوز المزعوم ». ذلك لم يمنع من وجود متتبعين حقيقين، ومتعاطفين صادقين، بسطاء ونجوم من كل الميادين والأقطار. لقد كتبوا وتغنوا، وصلوا وناشدوا وتبرعوا، قبل وبعد النهاية الحزينة، التي لم توقف سيل المداد. لم تمنع جرافة التضامن، أن يُسلط الضوء على الأسباب والمسببات كل حسب مستوى فهمه وإدراكه.  تشكلت عناوين درس يطل من شقق جائحة. كانت حادثة ريان النقطة التي أفاضت كأس الاختناق، وفاضت على كل الحدود، وطوت في فيضها شعلة أيقظت كل المشاعر الدفينة، وطهرت الحب من صدإ الركود. فسال الدفء أغنية تنعش أوتار الإنسانية المعطلة، وإن كان بلحن جنائزي إلا أنه كان يبعث في الأنفس خلاصا من عتمة جب.

من أجمل ما  طالعته على إحدى الصفحات  و تحدثت باسم ريان: هذا القول:

 ترى ما السر في كل هذا الحب

وكأن العالم كله عالق في تلك الحفرة

جاء ليذكركم أنكم أمة واحدة

أطول عملية قيصرية من رحم الأرض

ستة أيام عاشها في ظلام وحد فيها انسانية العالم ورحل

وسجل التاريخ حكاية عناء انتهت برحمة وحكمة

ابتسامة وحدت المشاعر والقلوب ترقبا ودعاءا وحزنا

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق