آراء أخبار الساعة

خديجة سبيل تكتب :العنف ورهان تجفيف المنابع

تأليف nissaa

مع كل سنة يتجدد أمر دق ناقوس خطر تنامي ظاهرة العنف ضد النساء في مختلف أنحاء المعمور، أيا كانت الجنسية أوالديانة، أوالأصول العرقية أو المنظومات الثقافية التي ينتمي إليها، المعنِفون و المعنَفون

ناقوس مازال يتلون بمؤشرات الجائحة، لتضعه في خانة اللون البرتقالي، مؤشرا غير مطمئن، يحذر من الاقتراب، ليس مخافة العدوى، بل من ارتفاع عدد المصابين،  وخطورة الحالة التي بلغها في الانتشار والفتك. تمدد العنف الذي طال النساء في زمن الكوفيد، بسبب قوانين الحجر الصحي التي فرضتها طوارئ الجائحة، بل فجر كل المسكوت عنه بخصوص الظاهرة. وتكشف المستور عن تداعياتها، وهي تحول حياة العديد من النساء إلى جحيم لا يطاق، يمس كرامتهن الانسانية ويجعلهن عرضة للمهانة.

 تشاء المصادفات هذه السنة منحي فرصة، بعيدة عن لغة الأرقام وتحليلات المختصين، ملامسة الظاهرة من مناحي مختلفة تعددت فيها السياقات والأسباب، لكن النتيجة كانت فيها واحدة، من حيث المعاناة والإصرار، وكذلك من حيث اختيار أسلوب التحدي والتصدي لكل مظاهر وتداعيات عنف يحد من حركة ضحاياه. دلتني ابنتي على متابعة سلسة أمريكية مايد « Maid » على منصة نتفليكس. وهي سلسلة جديدة بطلتها الممثلة الرائعة آندي ماكدويل وابنتها سارة مارجريت كوالي، بينما تحمل السلسلة اسم الحفيدة. قصة السلسة تختصر ويوميات امرأة شابة مفعمة بالمعاناة، أعلنت تحدي الخروج من عنق زجاجة حياة مليئة بالمطبات، أساسها عنف زوجي موروث، واجهته الأم بالعبث، بينما على خلاف والدتها أصرت الفتاة على طرق كل الأبواب حتى تجد طوق نجاة يجنب الصغيرة مايد أن تلقي نفس المصير، فكانت شعلة الأمل التي أضاءت طريق الأم والجدة. ورغم أن أحداث السلسة تدور داخل المجتمع الأمريكي، إلا أنه في ظل إثباتات العنف الجسدي، يصعب على النساء أن ينتصرن في معركتهن ضد كل أشكال العنف الممارس عليهن، خاصة منه العنف النفسي وتداعياته المختلفة. إذ بسبب قوانين وعقليات ذكورية، تجد النساء فيها عائقا و حجرة عثرة أمام رهان تحررهن وانتصارهن في معركة العنف الزوجي.

مظهر آخر للعنف تعرفت عليه من خلال الأدب، وأنا أصادف لأول مرة رواية للكاتبة الأفغانية نادية هاشمي بعنوان « اللؤلؤة التي كسرت محارتها »، رواية كتبت ببراعة وإتقان، مليئة بالتراجيديا والانتصار، تحكي بكل مرارة، تاريخ عنف من نوع خاص يطال المرأة في المجتمع الأفغاني الموغل في الذكورية والبطريقية، وقد نجحت الكاتبة في سبر أغوار العنف النفسي قبل الجسدي الذي يطال النساء منذ ولادتهن، التي لا تجلب في الغالب المهانة والعار لأهاليهن، خاصة حينما تقتصر الولادة على الإناث دون الذكور، يتم منع الفتيات من ولوج الفضاء العام « حماية لهن »، بل أن ذلك خلق ظاهرة غريبة في المجتمع الأفغاني تسمى ب »الباشابوش »، حيث يتم إخفاء الفتيات وجعلهن متنكرات في ملابس الذكور، وهي حيلة كانت تلجأ إليها العديد من الأسر التي تحرم من إنجاب الذكور، أو التي يتغيب فيها رب الأسرة لسبب أو لآخر. وقد نجحت الروائية في نقل مفارقات هذا التحول وتأثيره على الفتيات اللواتي يقع عليهن هذا الاختيار، في احتكاكهن بعالم الذكور، الذي يرمز إلى الحرية والإنطلاق والسلطة، فيمنحهن هذا التشبه المفروض، اقتحام الفضاء العام بكل امتيازاته الذكورية، مقابل إقبار تام لأنوتثهن، وهو ثمن غير محسوب العواقب والمخاطر، والذي تحدده مدة « الاختفاء القسري » في جلباب الذكورة المفروض.

مكافحة العنف يتعين أن يمتد الى مواقع غير تقليدية، وأحيانا تكون تلك المواقع أقرب إلينا من حبل الوريد، تمتد جذوره وتتشعب عنفا جسديا ولفظيا قد نستخف به، لكن ننسى أن لغتنا تخفى الكثير من بؤر العنف كذلك، نجليها في خطاباتنا اليومية وفي استعمالاتنا اللغوية. منظومتنا الثقافية، خاصة على مستوى اللغة، تظل الأفكار والمعاني فيها بؤرا لترسبات العنف، وتصير  شفرات توجه سلوكاتنا، وتسند الأحكام التي نصدرها أو الإنطباعات التي نشكلها.

لا يمكن أن نركز في محاربة العنف على مستويات خارج منطقة تشكل الإرادة والفكرة والمعنى. على جهود مكافحة العنف أن تعيد النظر في تلك الاستعمالات، وتعيد تصنيفها وفق ما يخدم مساعي تطهير العبارات من العنف وتجفيف اللغة من براثنها. ولعل هذا ما حذا بمنظمة الأمم المتحدة خلال حملة هذه السنة، من تشديد لهجتها بكلمات وازنة، وهي تختار شعارا أكثر شمولية في تطويق الظاهرة من كافة مستلزماتها الحقوقية واللوجستيكية تدعو معها، إلى حشد الهمم لمناهضة كل أشكال العنف ضد النساء، بعد أن طفح الكيل :  « مولوا، واستجيبوا، وامنعوا، واجمعوا » .

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق