أخبار الساعة افتتاحية

خديجة سبيل تكتب :جسد ومعارك

Mme-Khadija-Cadre
Avatar
تأليف nissaa

أبت الأفكار المتزاحمة بمفارقاتها الغريبة أن تطاوع أصابعي في الكتابة، من أين أبدأ مقالي الافتتاحي هذا، بعد أن عشت بينه وبين سابقه العديد من الأحداث، سواء أكان على المستوى الشخصي أم على المستوى العام كغيري من سكان هذا العالم. عالم بات يعيش تحت رحمة فك شفرة جائحة، ينام ويستيقظ على تطورات متواترة، فيما يخص عدد المصابين والمتعافين، بما في ذلك أعداد الهالكين من ضحايا الفيروس اللعين، ناهيك عن تداعياتها الاقتصادية والسياسية كذلك..

وعلى الرغم من أنني كنت ولازالت ملتزمة بكل الإجراءات الاحترازية والوقائية التي أبدعنا في تمثيلها ملتزمين أو مستهترين، ومع ذلك لم تعييه حيلنا. وأظن أنه ربما غاب عن المختصين في علم الفيروسات والأوبئة، أو ربما لم انتبه الى كونهم قد أشاروا إليه، أن أهم صفة يمكن أن نشخص بها فصيلة هذا الفيروس، هي صفة المكر والخديعة. فمن قال إن أعراضه تتشابه، وأن مسالكه في اختراق جسد الإنسان هي نفسها ويسهل تجنبها. هو فيروس اللامنطق، لا يميز بين عربي وعجمي ولا بين غني وفقير، ولا رئيس ومرؤوس، ولا شيخ ولا شاب ولا ذكر أو أنثى. فأينما وليت وجهك، فثمة كورونا تلاحقك على كيفها ومزاجها، « أنت وزهرك ». ولعل ذلك ما سيؤول إليه مصير حرب جهازك المناعي ضد توغله الماكر اللعين، فلا نملك حينها سوى المواجهة بكل ما أوتينا من صبر أولا، ودعاء بتخفيف ما نزل ثانيا: فاللهم لا نسألك رد القضاء، ولكننا نسألك اللطف فيه. صدقوني، قد تستغربون، فمع إقراري بوجوب مقاربة علمية أو علي الأقل طبية في العلاج، تحدث أيضا أمور مثيرة.  فقد أصبت بالفيروس وأنا في فرنسا، بعد أن كشف الجهاز إيجابية الاختبار وأنا في طريق العودة إلى بلدي، من دون أن تظهر علي أي أعراض، وبغض النظر عن الجانب الإنساني الجميل الذي أظهرته الجهات المكلفة بإجراء هذا الاختبار من مختبر التحليلات، إلى الصيدلية التي تجري بدورها هذا الاختبار، أهداني صاحبها علبة كمامات مجانا وهو يتمنى لي حجرا صحيا طيبا. و بعد مرور يومين، اتصلت بي سيدة عن التأمين الصحي التابع للدولة للاطمئنان على صحتي، وعلى الأمور كيف تمضي معي والتزامي بقانون الحجر على الخصوص. وعلى الرغم من هذا الاحتضان، إلا أني أصررت على استشارة طبيب، فأخذت موعدا، لكن الفحص كان علي الخضوع إليه عن بعد من خلال تطبيق خاص على الأنترنيت. تعاملت الطبيبة مع الوضع بكل هدوء،  طلبت مني بدورها أنا ووالدتي التي أصابها ما أصابني أن نظل في بيوتنا لمدة أسبوع، وننتظر مغادرة الفيروس لجسدينا. استغربت لردة فعلها. بادرت متسائلة: »  » يا دكتورة أنا مصابة بكورونا بموجب الاختبار، كيف لا علاج، لا دواء، وهل   فقط بعض الفيتامينات لتقوية جهازي المناعي، ولا حتى فيتامين « س ».  استغربت إلحاحي وهي تحسم النقاش بقولها هي موجودة في الكيوي..!

لم يطلب منا أن نأخذ أي دواء أو مسكنات، فقط ننتظر.. إلى حين ذهاب الفيروس خائبا. هذا بالطبع في حالة عدم حدوث أي مضاعفات لا قدر الله، وحتى كتابة هته السطور لازلت أنتظر ووالدتي الفرج، ولازالت فرنسا، تبعث من يسأل عنا بالهاتف للاطمئنان على سير حربنا الفيروسية وجها لوجه وجسدا لجسد.. بينما بنات أفكاري في سباق، وكلها طمع، في أن تطاوعها أصابعي، عسى أن يكون لها نصيب من هذا الرقن الليلي، وهته الولادة العسيرة، التي زادها سكون ليل باريس، على غير عادته، بعد أن أطفأت حالة الطوارئ سحر أنواره الجميلة، دون أن تحجب بقية التفاصيل، التي عشتها قبل المخاض، تزامنا مع أحداث فرنسا الأخيرة بمختلف مظاهر الرداءة فيها،  إذ النتيجة واحدة:  مزيد من العنف والعنف المضاد، ضربة كبيرة للقيم الإنسانية التي من المفروض أنها تجاوزت الاختلافات الدينية والعرقية، واحترامها أو عدم الخوض فيها هو جوهر فلسفتها.

قبل المخاض كانت أيضا، الانتخابات الأمريكية وحجم المتابعة الذي حظيت بها في زمن الجائحة وطنيا ودوليا. كان ل »الظاهرة الترامبية »، دور كبير في إضافة المزيد من الإثارة والتشويق على مختلف أشواطها لتنتهي بسقوط ترامب دون الظاهرة، بعد أن شكك الرئيس في مصداقية ماكينة الديمقراطية الأمريكية ماركة مسجلة، يصعب أن تخطأ في الحساب وتشتري الأصوات، لكن مع « ترامب لا استغراب »، والأيام القادمة قد تحمل الكثير من المفاجئات…، شخصيا ما يهمني هنا امرأة وإعلامية، أن هذه الانتخابات تسجل وصول أول امرأة لمنصب نائبة رئيس أول دولة في العالم، وهو انتصار كبير لقيم المساواة وحق النساء في مراكز القرار. وقد كان لكامالا هاريس دور كبير في نجاح الرئيس، شكلا ومضمونا، فمسارها المهني وأصولها العرقية المتعددة تعكس حقا فلسفة الحلم الأمريكي، سواء أكان جمهوريا أم ديمقراطيا. ولعل إعلان النتائج النهائية لهته الانتخابات من خلال وسيلة إعلامية في شخص قناة س. ن. ن الإخبارية، يحمل الكثير من الرسائل أهمها رد الاعتبار لسلطة المؤسسات وليس الأشخاص، وللمكانة التي تحظى بها سلطة الإعلام بشكل خاص.

وأخيرا وليس آخرا، يصادف هذا الشهر ككل سنة، تخليد العالم لليوم العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد النساء، لكن لذكرى هذه السنة طابع خاص بسبب تنامي ظاهرة العنف ضد النساء، والعنف الزوجي على الخصوص في علاقته بجائحة كورونا، العديد من المعطيات والأرقام تؤكد تفاقم تداعيات الظاهرة ومضاعفة المعاناة منها خاصة في الظروف الحالية، ومعطيات تؤكد مرة أخرى إشكال التنزيل والتفعيل التي تواجه معظم القوانين الخاصة بحقوق النساء على علة ضعفها والسياقات التي توضع فيها.

ما من شك، أن القانون وحده لا يكفي، لكنه في جميع الحالات يبقى، أداة رادعة يجب أن تعززها آليات ذات مستويات متعددة لوقاية النساء من العنف الذكوري وتنشئة الأجيال على نبذه مقابل التشبع بقيم المساواة واحترام كرامة النساء، لأن العنف ضد النساء في أساسه، ليس ظاهرة عابرة في الحياة، بل هو عنف بنيوي وهيكلي، تتحمل الدولة بالدرجة الأولى المسؤولية في مناهضة كل أشكاله.

فلعل الفرج قريب.

تعليقات

تعليق

fdm-popup-44

تعليقات

تعليق