أخبار الساعة افتتاحية

خديجة سبيل تكتب لكم جسدكم ولي جسد

تأليف nissaa

أجتهد في استدبار أخبار الجائحة وتطورات فيروسها المتحور، و أخبار العالم والحوادث والتقلبات المناخية، بينما نحن مقبلون على إطفاء شمعة عام يمضي. هنا عام آخر قادم، تزفه إلينا تساؤلات واستفهامات معلقة

والسؤال الوحيد المتحرر من هذا الوضع هو: كيف نزيح عنه وشاح خوف صامت عن نظرتنا المستشرفة لهذا القادم من العام؟ هكذا وجدتني أهرب إلى عوالم أخرى ليست بمنأى عن عالم الجائحة، بل هي مع ذلك على مَشْرُفَة ٍمنه ومن أوجهها وتداعيتها. اخترت أن أقف عند إحداها، لاعتبارات كثيرة… فقد قررت  التوقف  عند خبر طلاق النجمة المصرية شيرين من زوجها المطرب حسام حبيب، وحقق الخبر ما يصطلح عليه اليوم بلغة « السوشيال ميديا »، « الترند » أو TRENDIN، على مدى أكثر من أسبوعين ولازالت على ذات الوتيرة، فتظهر لتنتشر على نطاق واسع، قبل أن تختفي وتفتح المجال ل »ترند آخر » كما هي سنة « التراندات » في عالمنا الوسائطي اليوم. قررت هذا التوقف بسبب حجم الرسائل التي تطرحها الواقعة على جدول المناقشة في الفضاءات العمومية الرقمية.

اخترت الحديث عن هذا « الترند » بالذات، ليس اعتبارا فقط للشهرة والجماهيرية التي تحظى بها المطربة شيرين، ولا اعتبارا كذلك لخبر الطلاق في حد ذاته، فما أكثر أخبار طلاق وزواج النجوم وانتشار « ترنداتهم »، بل المثير في هذا الخبر على الخصوص، وهو الطريقة التي اختارتها شيرين لتعلن بها رسميا عن طلاقها، وكان ذلك على نحو لافت.  فقد ظهرت النجمة في أول حفل فني تلتقي فيه جمهورها حليقة الشعر، في خطوة غير مسبوقة، اعتبرتها نوعا من التذمر على نفسها قبل الآخر، وتعبيرا عما عاشته خلال فترة زواجها، و شكلا من أشكال الاحتجاج على ما آلت إليها حياتها قبل الطلاق أيضا. فكانت حلاقة الشعر بمثابة العودة إلى الصفر، تريد كما صرحت بذلك شخصيا، أن تكون جرس المنبه، الذي أيقظها لبداية نهار. خطوة جريئة بالنسبة إلى فنانة وامرأة يشكل المظهر الخارجي عاملا فاعلا في نجاحها وجماهريتها.

تحولت واقعة حلق الرأس، في أقل من أسبوع إلى قضية رأي عام، حيث أصبحت محط اهتمام وجدل، وبالطبع موضوع « الترند » في الوطن العربي ككل. وقد تجاوز شكل لفت الانتباه إلى الطلاق خبر الطلاق نفسه، وتقاسم الناس بين مؤيد لطريقة الاحتجاج والانتفاضة التي اختارتها الفنانة، باعتبارها نوعا من الحرية الشخصية، بل ومن اعتبر ما أقدمت عليه الفنانة المحبوبة، قد أوقعها في « خطيئة » التشبه بالرجال، وحتى الوقوع في المحرمات، و غير ذلك من التعليقات الغريبة والمضحكة.

  الحادث دفعني، إلى طرح العديد من التساؤلات، حول علاقة المرأة بجسدها،  وهو الذي يجسد دوما كيانها، و معاناتها، وقهرها وتحررها. خصوصا وأن الواقعة تبدو فيه الفنانة وقد عمدت  من خلاله، إلى جلد ذاتها ومعاقبة نفسها. إنه تمرد على رؤية مقعرة تطالها بالإساءة وعرضتها إلى كبوات حياتية، وإلى الإساءة والظلم والقهر، أو حتى إلى ضغوط نفسية واجتماعية. لقد بات معها حلاقة الشعر والحالة هذه، شكلا جديدا للاحتجاج لدى النساء، وهن يتخلين عن رمز من رموز أنوثتهن، و »تاج جمالهن »، مع تحفظي على الكلمة.

 لم تكن الفنانة، موضوع « الترند »، أول من يختار قهرا وعمدا، أن يكون جسدها أو شكلها الخارجي حاملا لرسائل مفككة أو مشفرة، قد تتعارض مع اللغة اللفظية وتتجاوزها تعبيرا، ليصبح جسدا متحررا يحمل نوعا من الوعي الذي يعبرعن المواجهة والتصدي والمقاومة لكل آليات الاستغلال والقهر. جسد يسعى في  التحرر من قيود الهيمنة الذكورية، أملا في تحقيق نوع من الاستقلالية والسيادة.

مهمة ليست بالسهلة في عصرنا الحالي، حيث أصبح لكل سلوك تجميلي دلالات ذات أبعاد مهمة، تحدد موقع الشخص اجتماعيا، فما بالك بالمشاهير والشخصيات العامة. وقد ارتبط المظهر الخارجي، في هذا العصر أيضا، بمقومات جديدة ومتلازمة كالماكياج والجراحات التجميلية وزخرفة الملابس، وعدم وضوح الحدود بين الجنسين.  لقد أصبح معها المظهر الجسدي محددا رئيسا لتحديد الهوية الشخصية، وتعريف الذات بمصطلحات جمالية تقف عند « كيف يبدو المرء وليس ما يفعله ».

 فهل تفتح واقعة الفنانة شيرين الباب لحضور أفكار وأشكال جديدة للتعبير، تكتسب معها نساء زمن عصر الصورة والإعلام المرئي وشبكات التواصل، ثقافة مختلفة لاستعادة امتلاك أجسادهن، عوض التنافس على إبراز جمال المظهر وفق قواعد استهلاكية أفرزتها هته الشبكات نفسها؟ ما من شك أن جسد المرأة لا يتحرر فقط بالإستقلال المادي أو بالانخراط في الفضاء العمومي، بل إن تحرره يكمن بالأساس في خضوع مكوناته وتحركاته إلى إرادة من يحمله، فمتى يصبح هذا الجسد الذي هو جسد صاحبته و ليس جسد غيرها، وهو وطنها الوحيد، منزلها وبيتها ومقامها ملكها كليا؟ ومتى يصير وعي الآخرين جاهزا  لتقبل حدود حريتهم  عند تخوم أجساد غيرهم. فليس من حق إلا أن يقال  » لكم جسدكم ولي جسد ».

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق