آراء أخبار الساعة

خديجة سبيل تكتب …   هذه دروس كورونا

Mme-Khadija-Cadre
Avatar
تأليف nissaa

منذ أن بسط علينا ليل جائحة كورونا سدوله، وأمكن تداعيات المادية المعنوية والنفسية على الخصوص منا، صارت الحياة إبانها بإيقاع مختلف إن لم نقل غريب، أخل بكل توقعات ومسلمات منطق رؤيتنا للأمور التي أتت تستقر في خَلدِنا  حتى الأمس القريب على الأقل، بل واختبارا حقيقيا لكل ما حققناه شعوبا وقبائل، وقبلهما لإنسانيتنا كائنات أكرمها الخالق وأخرجها في أحسن تقويم.

منذ الأزل، قاد صراع الإنسان مع الطبيعة إلى السيطرة عليها، « انتصارا للحياة »، لكن تعود الجائحة اليوم لتضع تحديا أمام هذه السيطرة، وترفع كومة من المخاطر والمخاوف، ثم تفرض لحظة « BREAK » أو لنقل استراحة اضطرارية، أعادت قدرا من التوازن ولو مؤقتا لعلاقة الصراع هذه، وتفضح معها مخلفات جشع الإنسان المعاصر، يمرره مرة باسم التحضر والعولمة ومرة عبر التحكم في موازين القوى اقتصاديا وسياسيا، وتارة ثالثة من خلال كل الحروب المكشوفة وغير المكشوفة التي تخوضها الأنظمة هنا وهناك…

وعلى الرغم من أن الأمر سابق لأوانه، وضع خلاصات علمية ونهائية، حول تأثير محتمل أو ممكن للجائحة على الحياة في مجتمعاتنا المحلية أو الكونية أو منسوب محتمل من التحول قد تكون أحدثته الظاهرة على إيقاع الحياة اليومية للأفراد والجماعات، وخصوصا على مفاصل نشاطهم الاقتصادي، فإنه مع ذلك

تظل سلوكاتنا اليومية أكبر مؤشر على درجات التأثير الحقيقي للوباء وعلى نمط العيش اليومي بدءا من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، ويكون في الوقت ذاته مقياس اختبار لمدى قدرتنا على استخلاص دروس حقيقية تشعل فينا وهج النظر البعيد، أناسا ومواطنين، في علاقتنا بمحيطنا سوسيوثقافي بمختلف مظاهره الإنسانية والإيكولوجية والإقتصادية، و بالرؤى السياسية، التي من المفروض أن تستوعب كل ذلك وتصرفه تصريفا جديدا، يعيد الإعتبار عميقا  للعديد من القيم الجنينية في فلسفة الكون و فلسفة التعايش.

يطالعنا بين كومة الدروس تلك واحدة تشدد على أنه لا حياة بدون صحة، وأن الصحة هي من قد تؤمن رخاءا اقتصاديا للفرد وللمجتمع وللدولة، وأي تهاون صحي من السهل في ظروف العصر الحالية، أن تعم تبعاته الجميع، ويشكل خطرا حقيقيا على كل البشر، إذ يوقف تحركاتهم، ويلزمهم بحجر إجباري، وفي أحسن الحالات بالتباعد واتخاذ مسافات الآمان. سيرتبك حينها تواصلهم الاجتماعي، ويصير مصدر خطر قائم، ويكون الثمن غاليا: وهو شل عجلة الاقتصاد.

ثاني هته الدروس تتمثل في تلك التي تحثنا على الانتصار لمبدأ رفع الإنتاج المحلي والاستثمار فيه، طلبا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من أبسط حاجيات العيش اليومي.  من كان يظن أن الحاجة إلى كمامة واقية، التي كانت في الماضي حكرا على مهن الطب والتمريض هي اليوم، في زمن كورونا، بمثابة أوكسجين ضروري للحياة والذراع الواقي من عدواها. أمامها اخْتُبِرت جاهزية دول كبرى   واقتصادات عظمى لخوض رهان الأمن القومي العام. وظفر المغرب في سياق ذلك، بخطوة على هذا الدرب، باقتداره على تصنيع الكمامة وتصديرها للعالم، اكتسب معها تقديرا واحتراما كونيين، وأمن قبل ذلك مواطنيه نسبيا لولا تفريط بعض واسع منهم في توصيات الأمان واستخفافهم بها، فاستطاع بذلك إذن أن يساهم بهذا الإنتاج المحلي في الجهود العالمية لوقف الوباء.

لا يسع بياض هته الورقة، بسط كل الدروس التي نتعلمها في زمن الجائحة، وهي مما لاشك فيه متعددة..، تطرح الكثير من الأسئلة على القادم من الأيام، تفرض وقفة جديدة،  نتخلص فيها من طباع الجشع المكتسب في أحراش زمن العولمة، ونستعيد إنسانيتنا الفردية والجماعية التي استنزفتها ترسبات الأطماع التي تشكلت طباعا لنا في حياتنا السابقة قبل الجائحة.

هل غيرت الجائحة من سلوكاتنا حقا؟ هل أدركنا أنه في سلامة الآخر سلامتنا؟ وفي التزامنا بأبسط سلوكات الوقاية نجاتنا جميعا، وأن الطبيعة كنز ثمين لم نحسن الحفاظ عليه وتقدير ثمنه الذي يفوق بكثير أكبر الصفقات، ويضاهي أعظم الإختراعات البشرية.  وأن الأمن الغذائي والصحة والتعليم، هو رأسمالنا الحقيقي ومفاصل الأمن العام المحلي والكوني، لحفظ كرامتنا الإنسانية وبلوغ الرقي الذي تقتضيه التنمية المنشودة. فهل استوعبنا الدرس حقا، أم أن نعمة النسيان، ستجعلنا نحن بسرعة إلى عاداتنا القديمة، وما عشناه ونعيشه في زمن الكورونا وبعده، لن يكون سببا كافيا في رفع تحديات جديدة، تعيدنا للجوهر وتحيي الإنسان فينا ؟

خديجة سبيل

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup

تعليقات

تعليق