آراء

خيانة…(3)

latifa lbsir

في حياتنا اليومية رفض قوي لفعل الخيانة. فالكثيرون يرون فيها فعلا مشينا ومحببا في نفس الوقت، لذا تهتم بها الصحف كثيرا، فتجدها مكتوبة ببريق قوي، محتلة أبرز الأماكن في الجرائد والمجلات، وكأن الكل في حاجة للوصول إلى هذه الفضيحة التي بشكل أو بآخر يتلذذ بقراءتها ويمضي اليوم سعيدا جدا لأن الخيانة حدثت… فهي تتوالد، وتكبر، ويصير لها أنياب في العمق، ولكنها تتقنع لتعود إلى الخلف، أو على الأصح تردع من الظاهر وتختفي لتتحول إلى جذور تتفرع بداخل الأفراد، وتظل تتطاول كلما شعرت أن هناك فحيحا للرغبة يئن في مكان ما، فتجد الجميع ينهال على الخائنة قبل الخائن بأفظع الألفاظ والكلام لأنها عثرت ولطخت الوجه الناصع لأسرتها، ولكن في العمق هناك خوف على تلطيخ أسرته الشخصية أو المرأة بشكل عام، وتقرأ في كواليس التعليقات أقبح الكلام الذي نوجهه لامرأة ويصبح كل المعلقين متضلعين في الدين والتقوى، ولكن حين تجد صفحات خاصة بعرض أجزاء من أجساد النساء اللواتي أثرن العالم بضجيج مؤخراتهن أو أثدائهن العارية مثل كيم كارديشيان أو هيفاء وهبي، تجد الكل يحشر أنفه للدخول إلى هذه الصفحات وكأنه بصدد البحث عن مفتاح سري لرغباته ، فهو يرى هذا الاحتفاء بالجسد وينتفخ بالرغبة أيضا. ف « الرغبة راغبة إذا رغبتها » لأنها كامنة بداخل كل فرد، تنتظر من يوقد جذوتها.
أتأمل من جديد رواية  « خيانة » لباولو كويلو ، والتي تتربع على أعلى المبيعات في فرنسا، وتترجم إلى عدة لغات، وتشتريها النساء قبل الرجال، ويبدو السؤال الأول: لماذا تشتريها النساء إذا ؟ فالبطلة تشتغل صحفية مميزة ومتزوجة من رجل رائع، وتكتمل سعادتها  بطفلين رائعين. إلى هذا الحد لاوجود لإشكال ، غير أن  الكاتب يجعل البطلة تشعر بالرتابة في حياتها اليومية، وهو ما جعلها تستعيد إحدى علاقاتها  مع  أحد عشاقها القدامى، وكأنها تعيشها لأول مرة. فالخيانة تحدث، و الكاتب يحلل هذا الفعل، الذي لا يخلو من متعة، فنحن لا نكاد نستمتع بكل ما نقرأه أو نشاهده من قصص تعرض الحكاية، بل إننا نهيم معها ونتعاطف دون أن ندري وكأننا وضعنا أنفسنا مكان الشخصية وهي تقترف هذا الاثم ونلتمس لها العذر، رغم أنها لا عذر لها وإن ماتت فنحن نرثيها بكل ما أوتينا من ألم، ونصفح عنها لأنها أمتعتنا وهي خارج النظام. فبداخل كل منا أداة كامنة لاقتراف جرم الرغبة، غير أن الواقع يعانقها بصمت ويجعلها تموت، والأدل على ذلك أن هناك أعمالا خالدة كانت تيمتها الأساسية مبنية على الخيانة مثل « إيما بوفاري » و »عشيق الليدي تشاترلي »، ومع ذلك عشق الكثيرون هذه الأعمال.
ما حدث لرواية « خيانة » لباولو كويلو  أنها ترجمت مؤخرا إلى اللغة العربية تحت إسم « الزانية » ، وكانت هذه الترجمة مثيرة للغاية والتي تمت باتفاق مع المؤلف. ولا نعرف إن كان المؤلف يعي جيدا هذه الترجمة إلى هذه الكلمة التي لا تحمل نفس معنى خيانة. فقد تحولت في النص العربي إلى الآثمة والمشركة والزانية التي ينبغي رجمها أو جلدها، في حين لا تحمل الرواية نفس الحمولة. فالكاتب كان يناقش الخيانة بعيدا عن إصدار هذا الحكم المطلق، لأن الأدب لا ينبغي أن يصدر حكم قيمة على الحدث، ونحن حين نقرأ هذا الأدب، فنحن نقرأ حالة حدثت ولا يهم الأدب بعدها الآثم فعلا.
ألم تقل غادة السمان في أحد أشعارها:
« أحب خياناتك لي/ فهي تؤكد أنك حي/ عاجز عن الكذب/ وارتداء الأقنعة ».
الخيانة غرفة سرية تخفي العديد من الأعطاب في حيوات الأفراد، فالعديد من الراغبين فيها ينكوون بالملل أو الخوف من الموت، أو الإهمال العاطفي أو الخوف من الانفتاح على الجنس الآخر، أو الخوف من الحرية مع الشريك، او أنها نزوة كامنة تستيقظ برغبة الآخر. ألا يقول علم النفس بأن اللاوعي هو رغبة الآخر.
هل ستتوقف الخيانة يوما ما؟
لا أظن … فالنفس البشرية لا تتوقف عن إثارة نزعات غريزية، غير أنها تستطيع أن تقهر إذا انفتح الجنسان على بعضهما أكثر بواسطة اللعبة الجميلة للحب ودهاليزه الكثيرة وتجدد دمائه…فالحب أسرار كبيرة من المتع التي لا تنتهي من التدفق…

تعليقات

تعليق

loading...