آراء أخبار الساعة

دكتور رشيد أمحجور يكتب ..الديبلوماسية الثقافية حاجة أساسية

IMG-20200618-WA0038
تأليف nissaa

لاشك أن كل أنواع العلاقات في حاجة إلى مرونة ومودة، وإلى تفاهم وهدوء

خاصة إذا كانت مرتبطة بالحاجة إلى أشكال من التفاهم من أجل تبادل وتفاوض، أو إلى حالات عويصة قد تتطلب بالضرورة إيجاد حلول لمشاكل وقضايا قد تفرض موازين قوى وما شابه ذلك، حيث لا مكانة للغرور، وللإشاعات والتعنت، ولا للمزايدات حتى بين أفراد المجتمع، ولا للكبرياء وبما في ذلك اللامبالاة. لذلك وجدت الديبلوماسية الثقافية مكانة لها ضمن السياسات العامة باحترام تام، وتبنتها بعض الدول والمجتمعات بتحضر ونجاح تام…

ترى لماذا لم يتبنى العالم أجمع الديبلوماسية الثقافية؟ أو على الأقل الدول من ذوي الكنوز الثقافية، كما هو الشأن بالنسبة إلينا في المغرب الذي يتميز بثروة ثقافية قل نظيرها، مثيرة في استقطابها لخيرة الباحثين والسياح المثقفين والمولعين بالثقافة والفنون، إلى درجة أننا نتساءل عن غياب ترويجها كما هو الشأن لبعض الإنتاجات الفنية التي أضحت معروفة عالميا. إذ نرى فيها بوضوح تام، مساهمة المجتمع في نشر ثقافته إلى جانب ديبلوماسية بلده، مستغلا في ذلك كل الامكانيات وكل المناسبات، الوضعيات والعلاقات…؟

ومهما تناولت بعض دراسات مجال الديبلوماسية الثقافية، واعتبرتها فقرة مهمة ضمن الديبلوماسية العامة، ومنهجية ناجحة في ممارستها لما تنفذه من تبادل حضاري رائع للثقافات والفنون، فإن ذلك يدفعنا للتساؤل عن غياب تدريسها وتطوير شعبها التي تبدو ملموسة وواعدة، إلى جانب تنظيم تظاهرات رسمية من طرف الدول والمنظمات المعنية قاريا ودوليا في مجالات الفنون بأنواعها التراثية، الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يترك فراغا مهولا في حياة الديبلوماسيين والديبلوماسية العالمية، يملأها التوتر والتعنت حتى  بين أقرب الدول ثقافة و جغرافية وتاريخا…

من أجل هذه الإمكانيات المتاحة للديبلوماسية الثقافية، وجب ولوج هذه الممارسة لتحسين صورة البلاد والعباد، من أجل التعريف بمن نحن، من نكون وما لنا، وما يزخر به وطننا من خيرات وجمال طبيعي، من فنون تراثية، حديثة ومعاصرة، من شخصيات بصمت العالم بإنجازاتها، لنضع ذلك ضمن برامج مرحلية وأخرى قارة، حسب قيمتها وحسب الدول والعلاقات المستضيفة لها، وصولا إلى تلك التي تلج مراكز ومؤسسات البحث العلمي. فتسود العلاقات ويتنامى التواصل، ويتعمق التفاهم عبر الأفكار والقيم، فتقترب الرؤى لتصبح كل القضايا سهلة وقابلة للحل ولو أخذ النقاش فيها طويلا، كما نراه اليوم في « البريكسيت » بين « إنجلترا » و »أوروبا »، وفي ما بين دول « الاتحاد الأوروبي »، حيث تصبح كل القضايا والمشاكل تناقش وتحل بقوة هادئة ناعمة، تستمد طاقاتها من زيارات المتاحف، من حضور محافل ثقافية وفنية ومن دعوات واستضافات خارج أزمنة وأمكنة المواضيع السياسية والاقتصادية المطروحة مهما كانت حدتها…

إن الديبلوماسية الثقافية التي نتحدث عنها أو نقترحها هنا، لن تكون مجرد نشاط عابر أرادته سياسة ما، أو أراده ديبلوماسي ما، بل هي مشروع بكامله يجب تدشين شعبته بين شعب الدراسات الديبلوماسية، بما يقتضي من اختصاصات وممارسات، بما في ذلك تدريس حسن السلوك الأخلاقي والتصرف الراقي، مع وضع سبل تنفيذه وتطبيقه ضمن النشاط الثقافي والفني المحلي والخارجي، وربط صلاته بمؤسسات التكوين الفني على اختلاف تخصصاتها.  وإدماج أجود وأرقى رموز المثقفين والفنانين وغيرهم من الشخصيات المغربية المؤثرة والمعروفة على الصعيد المحلي والخارجي في برامجه، عل أساس أن يستوعب من طرف المعنيين ومن طرف المجتمع، ليجد قنواته في المجالات الاجتماعية والسياحية، إلى أن يصبح له برامجه القارة وسمعته العامة…

إن أهم البرامج التي يمكن الانطلاق منها لن تكون أبدا مكلفة بتاتا، ولن تعتمد مغامرات غير معروفة ومضمونة، بالعكس يجب أن تنطلق من التراكمات المعروفة والمشهود لها حتى خارج البلاد في مصادر ومراجع دولية، لنطلق لها ولديبلوماسيتنا العنان في جولات في دول صديقة شيئا فشيئا، حتى نروج لها ويقع عليها الطلب المرغوب فيه. ليصبح لها أيضا طابعها الخاص والمتعارف عليه عالميا، مع الالتزام بجدية وصدق مهني في كل ما يتعلق بالاختيارات، بالتسيير والتدبيرو التواصل والتفاعل الأساسي الذي قد يمرر أجمل موروثاتنا الفنية، ويقدم كنوز تراثنا اللامادي، وتراكمات ثقافتنا وفنونا الحديثة والمعاصرة من موسيقى وغناء، ومن مسرح وسينما، ورقص وتشكيل في جميع أنحاء العالم، كما نلاحظ ذلك ضمن ممارسات بعض الدول القوية ديبلوماسيا كالصين، الهند وغيرهم كثير وغني…

إن حاجة بلادنا إلى ديبلوماسية ثقافية أضحت ملحة ومستعجلة إلى حد كبير، خاصة وأن المغرب له من الخصوم ذوي الأطماع ما يجب أن يدفعه إلى التفكير بكل جدية في هذا النوع من الديبلوماسية، واعتبارها ليس فقط أداة فعالة للدفاع عن نفسه وكسب رهاناته، بل أيضا منهجية وسندا لتطوير علاقاته، تلك التي قد تظهر حاجتها اليوم بالملموس بالنسبة إليه سواء  أكان في أوروبا،  أم في آسيا،  أم في أمريكا اللاتينية وبالخصوص في إفريقيا حيث السياسة والاقتصاد لن يكونا وحدهما المدخل الأساسي والوحيد لتطوير العلاقات مع الدول الافريقية مثلا، وكسب الرهان المطروحة له، علما أن ما يجمعنا والدول الافريقية هو من صميم متخيل ثقافي محض .

تعليقات

تعليق