آراء

عبدالقادر الشاوي يكتب : براقش ….. أقرباءُ السيدة إسْتِر

abdelkader-chaoui
Avatar
تأليف nissaa

يلتقي (غريغوريو) في آخر الرواية مع العم (أمادور)، وهو من أقربائه، فيبادره هذا، كدأبه في المبادرة، طالبا طامعا في اقتراضِ سُلْفَة وهو يعرف، مقدما، أن صاحبه موظف صغير في الإدارة الكولومبية لا يملك أكثر، بل أقل، مما يعيل به العائلة بعد وفاة زوجته (إستر) التي كانت له السند. يلح العم (أمادور) في الطلب ويترجاه أن يفك الورقة النقدية من فئة خمسمائه بيسو التي يملكها عساه ينقده ببضع بيسووات منها… فلا يستجيب، ولا يريد حتى أن يحس بالورقة النقدية وقد تحولت إلى دوائر معدنية تَرِنّ بين يديه كما يرن المعدن الصقيل بين أيدي الصناع المهرة… وغير المهرة.

يتعمّد غريغوريو أن يذهب بصاحبه إلى مقهى وهو يعلله بالصبر إلى أن يجد له حلا، بل إنه لا يعمل إلا على مراوغته في الواقع. وخلال عبورهما للشارع الخلفي المؤدي لمقهى، أختاره بدون رغبة، لم يتخل العم (أمادور) عن الطلب والإلحاح رغم ما تخلل كلامهما من أمور عابرة وأسئلة ثقيلة، لم تنس هذا ولم تزد الآخر إلا نفورا. وعندما جلسا في مقهى صادفاه  في الطريق طلب (غريغوريو) لهما كأسين من القهوة الكولومبية الذائعة الصيت، ثم أتبع ذلك بطلب أخر من نفس النوع… ولم يتخل أي منهما عن التدخين المتواصل حتى امتلأت المنفضة بينهما بما تبقى من الأعقاب المحترقة… والموضوع بينهما هو عَيْنُ التردد الذي أبداه (غريغوريو) والإلحاح الذي أفاض فيه (أمادور). لم يحد أي منهما عن موقفه، ولم تشفع القرابة العائلية بينهما في أي شيء. الكفاف ملة واحدة، والفرق أن كِليْهِما لا يدركان أن الخصاص مَذَلّة.

سنعرف بصورة مفاجئة، من زاوية القارئ الذي يقرأ التطور الروائي ويراقب الأحداث المتوالية عند الخاتمة تقريبا، أن (غريغوريو) قام من قعدته فاتّجه صوب المرحاض، فيما بقي (أمادور) يحتسي ما تبقى من قهوته الباردة. ولما طال الانتظار بصاحبنا هذا أدرك في اندهاش، أو فَطِن بعد خمول، لا فرق،  بل وفي خيبة موجعة كذلك، أن (غريغوريو) غادر المقهى بدون رجعة… فما كان منه إلا أن غادرها بدوره نحو وجهة ما وبحثا عن ضحية ممكنة وواعدة. غادرها متأسيا بطبيعة الحال لا يلوي على شيء، إذ الخيبة قناعة أيضا.

نَظَرْتُ بإلحاح في عيني (لويس فَيّادْ) وقلتُ له: في الصفحة كذا من روايتك هذه، وهي الصفحات الأخيرة، تركتَ (غريغوريو) و(أمادور) يشربان القهوة والسجائر إلى أن امتلأتْ المنفضة بأعقاب سجائرهما الرخيصة، ولكنّكَ، وقد تأكدتُ أنا من ذلك أثناء القراءة مرة وأخرى، لم تُوضّح مطلقا مَنِ الذي دفع ثمن ما شرباه؟ أتريد أن تلمح إلى أن (أمادو) هو من تولى ذلك ولا إشارة في الرواية إليه؟ أم أنّ (غريغوريو) هو الذي قام بذلك مباشرة بعد أن عاد من المرحاض في طريق هروبه من صاحبه؟ هذه طريقة ذكية، لو صَدَقَ التأويل، للتخلص من ثِقَلِ اللحظة التي أغرقه فيها الراغب في السُّلفة المستحيلة. 

كان غريغوريو بعد تردد مُذِلّ وتخمين حارق قد بحث طويلا، وفي غفلة عن (دوريس) الخادمة، عن الحقيبة اليدوية المُذَهّبة فَوَجَدها. ها هي حقيبة اليد ذات الحواشي المذهَّبة بين يديه ذكرى سعيدة ومفرحة يوم أنْ أهداها ل(إسْتر) في بداية حياتهما العاطفية والزوجية… تكاد أن تصرخ في وجهه: كيفَ أيّها الغَدُورُ بِئْس الهوان؟ يدسها تحت معطفه ويخرج هاربا من الدار ومن أسئلة أبنائه ومن (دوريس) ومنه كذلك تحت تأثير الخجل، قاصدا أقرب محل لبيعها بأي قدر يتاح لِمُشْتَر أن يشتريها. لا يملك قدرة على الإقناع بأي شيء، لم يفلح في إقناع أي كان بما كان يتمناه. يفاوض ويجادل ويشعر، تدريجيا، بحقارة نفسه في كل مفاوضة وفي كل جدال. ثم يصادق، في النهاية، على الورقة النقدية من فئة خمسمائة بيسو بِذِلّة. يضعها في جيبه ويتحسس خشخشتها بين الفينة والأخرى، وهو يمشي في شارع عريض بدون هدف يذكر… إلى أن فاجأه العم (أمادو) في المنعطف.

لقد باع ذكرى امرأة، وأخلف حُبّ القرابة، وعَرِقَتْ الورقةُ النَّقدية تحت وَقْعِ الخَشْخَشَة.

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق