آراء أخبار الساعة

عبدالقادر الشاوي يكتب : بورخيص يشبه نفسه ب »التابير »

shawy
تأليف nissaa

من أغرب ما قد يقع عليه قارئ لبورخيس، تشبيهه لنفسه. والتشبيه قدرة لغوية على مفارقة (المشبه)/الذات وتقمص بديلها (المُشبَّه به) في لحظة اشتباه، ب(التابيرTapir، حيوان شبيه بالخنزير). فكان إذا نظر إلى وجهه في المرآة، عندما كان بمقدوره أن يرى قبل أن يطبق العمى على عينيه، فلا يراه إلا ثخينا ذا بثور، كارها تأتأته وخوفه وعينيه الذابلتين وخط يده المُقزّم وصوته كذلك… وكذا لحمه، وهو يعني جسده، ومتطلبات لحمه/جسده

ولم يكن يتغنى، على هذا، بأي غنج… إلاّ بالمشط الذي غالبا ما كان يضعه في الجيب الأعلى لسترته، وبه كان يمشط شعره تاركا إياه على أحسن تسريحة مرتبة (علما بأنه كان يخفي ذلك المشط في راحة يده خجلا  من نفسه). أما هلوستة المستغربة كذلك فقوله إنه كان ينام مرتديا منامته لكي يتجنب كل لمس قد يتصل بجسده. ثم وجدناه يكتب عن نفسه وكان قد تجاوز العشرين بقليل: (أنا إنسان نابض (هكذا أقول عن نفسي) ولكن بجلد أسود، وهيكل عظمي أسود، وَلَثّة سوداء، ودم أسود يتدفق من خلال اللحم الأسود…). لا شعر في هذا، ولا خيال، وفيه، فيما يبدو، استعارة ملونة ذات إيقاع نرجسي، ولو أن ظلمة (العاهة) كانت تحبطه حبطا، علما بأنه كان قد رأى العالم من قبل في ألوانه الباعثة على الحياة. تراه كان يَغْرِف من عَمَاهُ رؤياه؟

أحب أن أفهم، بناء على هذا، كيف كان بورخيص ينظر إلى المرأة؟ وهل كان في تلك المنطقة السوداء المتخاصمة مع العشق والحب لا يرى شيئا أو لا يرى إلا نفسه حصرا؟ وكيف لامرأة قد ينازعها هوى تستطيع الاقتراب، بالحب أو بدونه، من رجل لا يحب نفسه ( لم يكن بورخيص ذميما)، أو بالأحرى يرى وجهَ نفسِه في المرآة العاكسة لأوهامه وأوجاعه؟

سيقول باحث اسمه ماريو بتوليتي: غريبة وغامضة هذه الأوضاع.

عاش بورخيص يحب النساء معتبرا إياهن فريدات في الهوى والصفات والعشق كذلك. وكان يقول: عندما يُحِبّ المرء يرى المحبوب تماما كما يرانا الله. ويعلق ماريو بتوليتي على ذلك بالقول: ولا واحدة من هؤلاء النسوة أحببنه. كثيرات أعجبن به، والبعض منهن فكرن في علاقة كاملة معه، غير أن رفضه أو هروبه غالبا ما كانا يتمان في اللحظة المناسبة، فيحصل الاحتقار بعد ذلك واليأس والرغبة في أن يكون شخصا آخر، أما الانتحار (فقد عاش يفكر فيه ولكنه لم يقدر عليه).

ولكن لو سألناه: ما الذي كنت تريده من المرأة يا بورخيص؟ وما وَهْبُكَ لها؟ لأجاب في قصيدة من قصائده بعنوان « قصيدتان إنجليزيتان »: (أهبك شوارع مقفرة، شَفقا،  قمر الضواحي المنبوذة. أهبك مرارة رجل تملى طويلا في القمر الأعزل الوحيد. أهبك ما قد يوجد في كتبي، وما أملكه من رجولة وسخرية في حياتي. أهبك (أعطيك) حشاشة وجودي… التي حافظت عليها على نحو ما. أهبك تفسيرات عنك أنت بالذات. يمكن لي أن أعطيك وحدتي، دياجيري، وجوع قلبي).

كان بوخيص يظن، واهما، أن البكاء من أجل حب امرأة ليس من (الرجولة) في شيء، غير أنه، كما يقول ماريو نفسه، لسوء المفارقة: قضى حياته كلها يبكي من أجل حب هذه المرأة أو تلك الأخرى… بدون جدوى. وعليه فنساء قصائده محلوم بهن أو متخيلات أو غير مناسبات، بل وكان اعتقاده الرجعي الغريب، أن النساء عادة لا يصلحن إلا لتبية رغبات الرجال.

ولعل « أولريكا » هي القصة الوحيدة التي كتبها بورخيس في علاقة بالحب، ولذلك ضمنها مشهدا إيروتيكيا في غرفة مطلية باللون الأحمر، وجعل بَطليْها رجلا من أمريكا اللاتينية وامرأة من النرويج. فجاء البطل، من بعض الوجوه، مضاعفا له، خصوصا عندما وصفه بأنه (عازب متقدم في السن) تماما كما كان يصف نفسه… ولما ارتبطت به ماريا قدامة تشبهت قصدا ب(أولريكا)، بينما كان بعض المهتمين ببورخيس على يقين تام بأن الأمر يتعلق، في حقيقتة ب(أولريكا فون كولمان) ألألمانية التي حاول بورخيس التقرب منها، ولعله كتب إليها بعض رسائل حب. ويقول ماريو باوليتي مازحا: إن ما خطّه بورخيص في قصة (أولريكا) انتهى بأن عاشه، وربما بطريقة (فعلية) وهو في أرذل العمر لا يرى شيئا، في رحلة من الرحلات التي  جمعت بينه وبين (قدامة) باعتبارها المرأة الأولى والأخيرة في حياته وبعد مماته. فهل صَلُحَت إذن، كما كان يعتقد، لتلبية رغباته؟

تعليقات

تعليق