آراء أخبار الساعة

عبدالقادر الشاوي يكتب : تطوان التي في خاطري

shawy
Avatar
تأليف nissaa

أنْ تجد، على غلاف كتاب صغير، اسمَ مدينة في منتهى الإفراد وغير مقرون بأي شيء آخر قد يجاوره أو يثير نعته.. ففي ذلك، من الأساس، الدلالة الأولى والأخيرة على الشهرة والأهمية التاريخية التي لا تقارن بغيرها في لسان التعبير عن الإعجاب والارتباط وقوة التأثير. تطوان بالإفراد لا بأية صيغة نحوية أخرى، لأنها لا تحيل إلا على مدينتها. إنها تطوان إذن… في تلك اللحظة التي اختَارَتْها (إسْتِر بندحان) حلم لقاء ومشروع عودة، ثم قررتها، متعللة بالأمل، كسفر في الزمن يترجّى اللقاء، ولعله يحتمه، وكسفر آخر في اللاّزمن يستدعي الذاكرة، ولعله يختبر حفرياتها.

ربما للكتاب قيمة معينة، لا تعنيني، كدليل سياحي أريد به (ابتكار)، وربما احتلاب، ذاكرة يهودية طواها النسيان بعد الهجرة. قد يكون. وقد لا يكون لهذا الجانب مع ذلك، حتى ولو أريد غاية، أية قيمة سياحية، لأن (إستر بندحان) غادرت تطوان مع عائلتها اليهودية وهي ابنة السادسة… لم تكن ذاكرتها قد استجمعت شيئا ذا بال عن المدينة، هذا فضلا عن أنّها لم تبذل في الكتاب أي مجهود قد يفيد السائح بالقيمة المفترضة لما يتصوره أو يريده. عرضتْ فيه ذاكرة (الملاّح)، وأوردت من التاريخ وقائع متناثرة للتدليل على التعايش الذي يتنكَّر فيه كل طرف لهويته، فهو تعايش الذِّمي بِالجِزْيَة التي يدفعها لمن يحكمه ويُذِلُّه كضريبة لوجوده المختلف، وأضافت إلى هذا وذاك مشاهدات عابرة ليس لها في تطوان أي مرجع موثوق. ولهذا أتصور أن القيمة الحقيقية، التي لا تقال عادة في الكتب، هي الذاكرة، المنسية أو المستباحة، وطريقة عرض ذكرياتها المستهامة (باعتبار النسيان أو التلف أو التحايل) من خلال الكتابة وأسلوب الإبلاغ عموما. ها هنا نحن مع (إستر بندحان) في عمق ما أرادت أن تبوح به عن تطوان من زاوية خاصة، أي يهودية تعرضت للاقتلاع في سن مبكرة، فإذا بذاكرتها الشخصية تفاجئها بما لم تكن تتوقعه منها. نعم بما لم يكن من الوارد أن يكون مفاجئا بحكم الاقتلاع. ومن هنا كانت العودة المركّبة: إلى تطوان في إحدى تجلياتها: (الملاّح) وإلى الذاكرة في بُعْدٍ من نسيانها أو تلاشيها… مسافة واحدة بين الحافز (المبرر) والكتابة بالشعور العاطفي الذي تنثال فيه المرويات بقدر معين من الوضوح أو الدلالة كذلك. ليس المهم هو الدقة ولا المعلومة التاريخية أو الجغرافية الصحيحة ولا حتى المضبوطة، بل المهم هو البيان الذي يعتصر الوجدان ويتشخص في الكتابة أثرا بعد أن كان في الذاكرة محوا. المهم أيضا هو العاطفة وأسلوب التعبير عن توتراتها النفسية أو الذهنية، لأن القيمة الحقيقية للسرد هو الإيغال في النوسطالجية وإضفاء طابع الحزن الذي يخيم على الاستذكار، كلما كان مفارقا لذكرياته، عن طريق التباعد أو التوهم أو الغصة التي لم يشفيها زمن… وفي الحالة الخصوصية ل(إستر بندحان): لا وجود لأية علامة قد تستنفر الذاكرة ويمكن أن تهجس بذكريات. لا يوجد في تطوان، كما تقول، علامات للماضي حتى تستذكره، باستثناء تلك الأماكن التي بقيت خاوية فارغة كشواهد حية… تطوان مختلفة. الواحد منا قد يغادر تطوان ثم يعود إليها والذكريات الطيبة دائما موجودة…(وابتداء من تلك الحدود، ومنذ الدقيقة الأولى للسفر، أثناء الخروج أو من خلال طفولتي في مدريد)، تحولت تطوان إلى أكثر من مدينة: تطوان هي المغرب، (هي تاريخنا)، الأصل، ولكنها أيضا كانت مكانا للعبور، ولو أن العبور استمر قرونا. (وعندما خرجنا ذهبنا إلى سبتة، ثم إلى مدريد. وهكذا بقيت تطوان ثابتة كإحالة. كل شيء أستذكره بالألوان، ثم جاء الأبيض والأسود).

في هذا ما قد يلخص الذاكرة اليهودية في جميع المنافي التي التجأت إلها هروبا من الانتماء. ولأن تطوان ليس (أرضا محتلة)، كما أصبحت عليه فلسطين، فإن الذكريات المرتبطة بها، وأحسب أن العودة إليها كذلك، أو التعلل بالانتماء إليها، هو، في النهاية، عودة وانتماء في المخيلة إلى (الملاّح) وليس إلى المدينة. لن يكون أبدا عودة إلى الذاكرة، بل إلى الاقتلاع الذي في معناه الرحلة إلى الأرض الموعودة في الادعاء والتفكير الصهيوني. والذي قرأناه ليس كتاب مدينة رغم أنه يحمل اسمها، بل كتاب لواعج: كان علينا أن نرحل عن تطوان، ولكن بدون أسف. الأمر معقد ولا علاقة له في الواقع بالمدينة. المدن تنتمي لساكنيها. المدن متحللة من الأسف. المدن تنتمي للأحلام وللفنتازيا.

تعليقات

تعليق

fdm-popup-nisaafdm-popup-nisaa

تعليقات

تعليق