آراء

عبدالقادر الشاوي يكتب : فصل النساء

shawy
Avatar
تأليف nissaa

لم أقرأ شيئا كثيرا من منشورات الرواية الشيلية، ولكنني وجدتُ واحدا من جيل (البُوم Boom) اللاتيني أمْتَعَ من غيره، رغم أنه، أقصدُ دنوصُو، لم يبلغ شأو الكثيرين ممن عدوا في القافلة المبدعة، وفي مقدمتهم ماركيز

لتلك (الفُقَّاعَة) التي انطلقت من منزل كارلوس فوينتيس عام 1965 كما قال عنها البعض. ثم قرأتُ لخورخي إدوارد المتأخر نسبيا ، وكان صديقا حميميا لبابلو نيرودا ، رغم أن هذا ، في الواقع ، لا با ب ومن الجيل الجديد قرأت لألفارو بيساما (الاسم الذي فيما أحسب معناه: بيت السماء) وهو لم يكتب الرواية إلا عرضا, فتخصص لحد الآن, فيما يبدو, في كتابة القصة الخفيفة (ولا أقول القصيرة).

هذا شيء قليل من أدب بلد اشتهر بشعرائه أكثر من روائييه… ولكنه كالقليل الذي يُغْنَمُ من الكثير .. كما قالت العرب. حتى رأيت أخيرا (ديسمبر 2019) ضمن منشورات (الفاغوارا) رواية أدركت من الغلاف أنها لكاتبة من الشيلي تدعى Carla Guelfenbein, لم يسبق لي أن قرأت لها شيئا, ولعلها من الجيل الجديد الذي أخذ يتربع, في حقل الرواية والإبداع الأدبي بعامة, على الشهرة الضرورية للانتشار في العالم الناطق بالإسبانية.

فأن تقوم (ألفغوارا Alfaguara) بنشر أعمالها الأدبية منذ 2003 برواية (عكس اتجاه الروح) مرورا بالجائزة التي نالتها عن طريق نفس الدار عام 2015 برواية (معك في المسافة) إلى (فصل النساء) الصادرة في شهر ماي 2019 … ليعد, في الواقع, من الاهتمام الذي يحسب كثيرا في التقدير وفي الاعتبار ، للروائية نفسها تقديرا ، ولعملها الأدبي المختلف اعتبارا.

سرود متعاقبة لخمس نساء بصوت مارغريتا (الساردة) في الزمن الماضي غالبا (1946), وإحالات مختلفة لأعمال أدبية (مراسلات « غبرييلا مسترال » مع « دوريس دانا ») ومعلومات ثقافية (مقتطفات من يوميات « فرجينيا وولف ») وأقوال ذائعة (جيني هولزر) و (أغنية الحب) المشهورة ل « ألفرد بروفروك ». وأضيف إلى هذا (طريقة) أسلوب خاطف يتلاعب بالاستعارات والمعاني, ثم يفلح في اقتناص الشعور النفسي بالأوضاع الذاتية وغيرها, فإذا بالعرض الذي تقدمه الرواية عن شخوصها, وخصوصا عندما تترافق مع رمزية الإحالة الثقافية المختلفة, مغريا وبديعا في كثير من المواقف … وهذا دونما احتفال مطلق , كما هي عادة كتاب الرواية, بالحكاية والتداعيات التي قد تصدر عن تناميها من خلال الصوغ الروائي … هناك شبكة روائية قد تترابط فيها المواقف والحالات والأوضاع النفسية والاجتماعية أو الحياتية … لا أكثر ولا أقل. تُصَاغُ الرواية من خلال التداعي كذلك ، والمعاني التي قد يطلبها القارئ لا تتبدى ، وقد لا يكون ذلك ضروريا ،ي حي ورغم أن قراءة هذا النوع من الروايات قد يحتاج إلى قدر معين ومركب من الثقافة العامة والثقافة الأدبية على وجه الخصوص, إلا أن غياب ذلك لا يؤثر في تحصيل اللذة أو الإعجاب أو الدهشة أبدا.

ف (خوليانا) التي بلغت بالكاد عامها الثالث عشر في 4 ماي 1946 وتفضل أن تقوم بأي شيء إلا أن تصاحب أمها إلى (دار الطلبة) حيث تعمل كمنظفة, لا تتوقف عن البحث واللعب, وتحب, تحت المراقبة النابهة لأمها, أن تكتشف وتنشغل بما قد يشغل عقلها. ويبدو أن مما أثار اهتمامها في (دار الطلبة) باستغراب طفولي شديد, وجود غرفة لفتاة بين بقية الذكور … لا تفتح مطلقا, بل وكلما همت الأم بتنظيفها إلا وصدر من الداخل صوت صبية يصدها عن ذلك. إلى أن كان اليوم الذي استغلت فيه خوليا مناسبة انشغال أمها بالتنظيف, فتسللت من الباب الموارب للغرفة .. وهناك وجدت فتاة عارية ممددة على الفراش ويديها مرتخيتين على جانبيه ارتخاء لا روح فيها. أما إلى جانب الفراش فقد لمحت ، فيما يشبه المفاجأة ، دفترا مفتوحا تناثرت أوراقه بعد أنْ وَقَعَ منها.

اقتربتِ جوليانا من الفتاة فلم تتحرك ، فأيقنتْ أنها قد تكون ماتت. كان جسدها ، في هذا اليقين التام ، باردا ودافئا ، في نفس الوقت ، كما لو أنه جَسَدُ حمامةٍ ميت… ب ب أ ق……… ق ق ق ق ق ق

خرجت خوليانا مسرعة إلى الممر, وجرت مسرعة إلى الطابق الثاني وهي تصرخ من جديد: أمي, أمي … كانت متأكدة, تماما, أن الجسد, وروحه « هيئة حمامة » لامرأة ماتت من الحب كما تموت نجمات السينما.

تعليقات

تعليق