آراء أخبار الساعة

عبدالقادر الشاوي يكتب :لويز ميشيل، امرأة « الكمونة » أو العذراء الحمراء

shawy
Avatar
تأليف nissaa

غريبة لويز ميشال (1830/1905)، أو غريبٌ مصير هذه المرأة الفذة الملهمة التي قادت في العاصمة الفرنسية، إلى جانب عدد من الرجال، أعظم معرك الكمونة الفرنسية 1871:

فهي من أم خادمة (في البيوت) وأب غير معروف… بالإضافة إلى فقر مدقع وحياة معدومة من الناحية الإنسانية أو يكاد. ومن هنا إلى الفورة الإنسانية التحررية، إلى المجد الثوري، إلى أن لقبت ب(الباسيونارية) وأخت الإحسان اللائكي، إلى التماهي تقريبا مع المعدمين ومع نضالات الشعوب المستعبدة (من طرف الفرنسيين أنفسهم)، إلى النسوانية التي تحث النساء على التمرد على الأحكام الذكورية، إلى الإيكولوجية المدافعة عن النبات والحيوان… أي مجموع ما لم يكن في القرن التاسع عشر، بجميع الصعوبات التي يمكن افتراضها والتضحيات الجمة التي يمكن تصورها، إلا في متناول من وهبوا حيواتهم بدون تردد، وهم قلة، للمثال الإنساني المنقطع إلى الثورة. والشاعر (فيرلان) كان محقا عندما لقبها ب(جان دارك) لِمَا كان لهذه عند الفرنسيين من منزلة رفيعة في الوجدان والخيال.

بيوغرافية في كلمات قد لا تعني شيئا كثيرا، ولكن من يطلع على مراسلاتها مع الشاعر الفرنسي المبرز فيكتور هوجو يدرك، بطبيعة الحال، حساسية هذه المرأة وطبيعتها واختلافها البين عن مثيلاتها من النساء، هذا فضلا عن أدوارها في الصراع السياسي والاجتماعي التي بوأتها مكانة رفيعة من حيث التضحية والبذل. وقد يجد القارئ لتلك الرسائل مسارَ تطورٍ انتقل بها من المعاناة والانغلاق والعزلة إلى الانفتاح والبذل والثورة باجتهاد وتصميم واضحين، وكذا بوعي وإدراك متحفزين… وفي هذا التطورالمتفاعل مع حقائق الذات تلك العلاقة المختلفة التي جمعت بينها وبين (شيخها) الشاعر حتى قيل، ولعلها إشاعة ذلك القرن، إنها (رزقت) منه ولدا منذ أول لقاء جمع بينهما… وكان من المعروف أن شاعرَها رجلٌ زِيرٌ.

ففي أول المراحل راسلته ولم تكن لها به أي اتصال بطريقة مفاجئة وغريبة قائلة له باندفاع كلي: (لا أعرف ماذا سأقول لك، ولكنني يائسة، ولذلك أريد أن أكتب إليك حتى أخفف من معاناتي. لن يقلقني أبدا أن تبدو لك رسالتي غريبة، لأنك لا تعرفني وكل ما يصكني لن يعني لك شيئا، غير أنني يجب أن أقول لك ذلك حتى أهدأ ولو للحظة…). ولكنها كانت تعرف أن الجامع هو الشعر، لأنها كانت تحاوله وهي في العشرين على كثير من الأحلام والسذاجة والحيرة كذلك. هل كان من الممكن لها أن تتصور، في يوم من الأيام، أنها ستصبح واحدة من أبرز وجوه الحركة الثورية في القرن التاسع عشر (المواطنة الكبرى)؟. كان حلمها القوي أن تكون شاعرة، ولذلك راسلت فيكتور هوجو بهذا الأمل، بل واعترفت له بما كان يشغلها كما لو أنها كانت تعترف لقوةِ إلاهٍ جبروته عظيم. بل يقول غزافيي غوتيي: وهبتهُ حياتها (ويبدو أنها فيما بعد أدركت أنها انفتحت عليه كثيرا باعترافاتها فطالبته في رسالة بحرق تلك الرسائل الاعترافية). ومن حسن الحظ أن هوجو لم يستجب لطلبها، بل أجابها برسالة فانطلقت العلاقة.

ستصبح لويز ميشال، في طور مختلف، معلمة، بعد اجتهادٍ، بأحد الأحياء الفقيرة وقتذاك بالعاصمة الفرنسية… قبل شهور فقط من انكشاف البوادر الأولى لقيام (الكمونة) واندلاعها المحتم. وسرعان ما تقلدت رئاسة لجنة اليقظة لنساء الحي.. دون أن تتخلى في تلك المراسلات مع هوجو عن إشراكه فيما كانت تنتويه وتعمل من أجله. هذا مع الاعتراف أيضا بأنها لم تكن معه على وفاق سياسي، ولكنها لم تتخل أبدا عن (الشيخ)، علما بأنه كان يعتبر الكمونة (شيئا حسنا، ولكنها لم تتم بطريقة جيدة).

وها هي الآن سجينة، في طورِ معاناة، بعد فشل الكمونة وسقوط رموزها الأشاوس. فلم تتوقف المراسلات بينها وبين الشاعر. وستعرف أنه، مع جميع تحفظاته، يستعد للدفاع عن ضحايا الانتفاضة الثورية، ولكنه يتردد، أيضا، في القبول بجميع المقترحات التي بلورتها للدفاع عن هذا أو ذاك ممن تورطوا، في نظره، في أحداث دموية لم يكن يراها مبررة. اختلاف سياسي في التقدير وفي الاعتقاد كذلك لم يكن، إلى ذلك الوقت، يبرر أية قطيعة. خاطبته بنبرة يأس قائلة: (أيها الشاعر، بما أنهم يعدمون الجمهوريين في عهد الجمهورية، وبما أن كل شيء قد يحدث اليوم في هذا القبر الباريزي، وبما أنه لا وجود لصحافة، ولا روح في هذا المستودع (للأموات)، فإنني أبعث إليك بهذه الرسائل التي أرسلتها من غياهب سجني إلى القضاة.. راجية أن تحيط الشعب بآخر صرخةِ وعي تصدر عني..).

وقد تواصلت العلاقة، وهي في طور جديد، عندما نفيت إلى (كاليدونيا الجديدة) دون أن تتخلى عن أي مما اعتقدته واقتنعت به… إلا ما قد يكون طرأ على تصوراتها، بعد فشل الكمونة والتقدم في السن أيضا، من تطورات جعلتها أكثر هدوءا وأكثر قدرة على التمثل إلى جانب استخلاص العبر من المحن التي امتحنتها في حياتها النضالية… دون أن يفارقها ذلك الإعجاب القدري بشاعرها (الشيخ) الإلاه، ولو أنها صارت تناقشه بشيء من المنطق وعلى قدم المساواة. فكتبت إليه من منفاها يوم 31 ماي 1879 قائلة مطمئنة: (سيدي، كان بودي أن أبعث إليكم بكتابٍ شعري أهديتُه لكم، ولكنني لم أنتهِ منه بعد، فليكن في المرة القادمة… وكثيرة هي الأشياء التي أريد الفراغ منها. إنني لا أشعر هنا بأي قنوط، وأنظر إلى جميع المغادرين بدون أي شعور، ويخيل إلي أنني أصبحت جمادا. تصور سيدي إنه بعد خطاب (دُو مِرْسير) يحق لي، بألف سبب، أن أقول: من الأفضل أن أموت هنا قبل العفو العام على أنْ أعُود (إلى فرنسا)…

تُمثلُ المراسلات التي قامت بين لويز ميشال وفيكتور هوجو لحالة إنسانية (عَقَدِيَّة) على شبه محتمل بالعلاقة الصوفية التي تقوم بين الشيخ والمريد حتى وهي بين المناضلة الثورية والشاعر. وقد اعترفت لويز أنها التقت به…. وحكايات أشارت إلى أنها صُدمت فيه،  لأنها كانت تحبه كما عبرت له عن ذلك، فاكتشفت أنه لم تكن على نفس القدر من الحب. ومع ذلك واصلت إعجابها الواضح به، بينما كان هو يقول عن نفسه إنه يشعر نحوها بإعجاب غامض!! ربما كان الإعجاب هو المهم… في النهاية.

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup

تعليقات

تعليق