آراء أخبار الساعة

عبدالقادر الشاوي يكتب من الذاكرة إلى اللغة

تأليف nissaa

أقرأ نص (اللغة الملعونة  Madi Belem, La langue maudite, Le Fennec, 2021) وَأقَعُ، في المدخل مباشرة، على صورة الأب وتحولاتها وواقع البلاد (المغرب) ومشاكله وقضاياه مع الثقافة والأدب.

ثم أجد تطورات الشاب الذي ارتبط بأبيه أيما ارتباط، وجعله مثالا في الحياة يُقْتَدَى، وهو يروي تحولاته الإنسانية التي ستُنهي حياته بعد إفراط وألم، ونوستالجية الزمن الماضي واليأس المتحصل من لعنة الوجود بدون أمل. كله هذا هنا، مجموعا ومتناقضا، في بلد لا يعترف لأبنائه بأية نجابة، كما لا يقيم وزنا لمثقفيه (بالعربية كما هو حال الأب الموصوف في الرواية) مهما كان تافها. وهذا الشاب هو الذي سيتعلق بالأدب، مع أن اختياره كان مخالفا لذلك أو أنه قريب منه على نحو ما، وهو الذي طالما ألح عليه الأب بأن يقرر حياته في الخارج، وأن يتعلم الكتابة بإتقان، ثم وأن يصير كاتبا، هذا مع الإقرار التلقائي من الشاب نفسه بأنه لم يصبح كاتبا إلا تحت إلحاح أبيه، فضلا عن العمل الدؤوب الذي داوم عليه حتى اشتد عوده فيها وأخرج للناس نصا، هو ثمرته، يحتفل إيما احتفال بذلك الأب… الذي توفاه انهياره المتوالي واستسلامه الطوعي للأسى والحرمان والفشل يوم 3 مارس 2013. وربما نحن في هذا أمام (برنامج) حياتي-سردي، سطره الأب بصورة (تربوية) ونفذه الابن بكامل الطموح والرغبة. كان الأب/ الأستاذ الباحث إدريس بلمليح يبلغ من العمر 65 سنة، وأما الابن الذي أصبح كاتبا، فضلا عن أنه ممثل مشارك في تجارب فيلمية، فلم يكن يبلغ من العمر عندما أصدر نَصَّهُ الأول عن منشورات (بلون Plon) الفرنسية سنة 2020، وفي طبعة مغربية عن دار الفنك للنشر عام 2021، إلا ثلاثين سنة… وهذا بعد وفاة الأب الذي لم يقرأ النص/الثمرة بطبيعة الحال بسبع سنوات تامة.

 يشتمل النص على فصول قصيرة مُعَنْوَنَة ظاهرها أنها تتراكب حسب المباني السردية الملفوظة على نحو من الترافق، بينما هي، كما يبدو لي، تتصاعد على إيقاع سردي تراكمي يوحي بالمنظور الخطي الذي افترضه الكاتب في بناء الشكل العام للنص. فهو ينتقل، منذ البداية، على المستوى الشخصي، من الطفولة إلى الكهولة، وعلى المستوى العاطفي من الارتباط الأسري المشدود إلى أخلاق العائلة إلى الأجواء الفرنسية (الأنوار) المضيئة المتحررة، وعلى مستوى الوعي من الذات إلى الغير، من البيت إلى الشارع، من الانغلاق إلى الانفتاح إلخ… وينهض هذا الانتقال على المسافة وعلى التصور الزمني في آن، بحيث ينطلقان خفيفا ثم يتصاعدان عميقا وهما يحفران في الذاكرة، ويستجيبان لتداعيات الفضاء الذي انوجد فيه الكاتب وهو يحاول، جاهدا، الخروج من الموروث الذي اعتقل طفولته في علاقته بأبيه وبالأسرة (الأم) وبالمغرب بلد الازدياد والإقامة والدراسة. على أنْ نلاحظ أن المسافة ليست مطلقة لأنها تنتهي بالكتابة ثم بنشر المكتوب (الرواية)، وأن التصور الزمني يشرع في التأريخ العام عند الطفولة (المغربية)، وينتهي عند أواخر عهد الشباب (في فرنسا). وهو بالمثل ما قد نجده، كما سنرى، في علاقة بصورة الأب: تنطلق الرواية (أو السرد) معه منه، وتنتهي تقريبا بوفاته بعد معاناة.

يدرك القارئ أنه أمام نص مفتوح ليس من الضروري أن يجنس، بل وقد يكون في تجنيسه حبسه في تأويل خاص، علما بأنه يمتح من مصادر ثقافية وتربوية وحياتية مختلفة. ولذلك فقراءته قد لا تتحرر من وطأة عناصر ثقافية تمثل المَسْنَد الذي تستند إليه أوضاع وتطورات وحالات إلخ.. عن الأب والمغرب والأوضاع الثقافية والاجتماعية وسواها، بناء على المقارنة (المغرب/فرنسا)، أو انطلاقا من التقرير السلبي ل(حقائق) مفترضة في الوضع القائم (الأوضاع الاستثنائية التي عاشها الأب).

ينفتح النص على الأب وينغلق على الحادث (الإرهابي) الذي هز فرنسا سنة 2015، وقد قرأته باهتمام كبير وعناية خاصة وانجذاب تلقائي جعلني أتأمل الكتابة سِيرَةً للتذكر، جعلت من الأب عنصرا مباشرا في الاستذكار وحافزا (أدبيا) للقول.

الفصل الأخير من هذا النص مؤلم بسبب قول جاء فيه: (في كل مرة أضع القلم بين يدي لأكتب لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في أبي). أمْرٌ جَلَل لأنَّ الكتابة تتماهى مع حالتين لا تنتفيان البتة ألا وهما الكتابة من خلال الذاكرة والأب من خلال التذكر، أو هما الكتابة عندما تصبح مشروطة بتذكر الأب، صور الأب لأنه مات، في الواقع، ولم يخلد إلا في الذكرى وَذِكْرَاهُ حِينَ يُذْكَر.

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق