آراء أخبار الساعة

عبدالقادر الشاوي يكتب  » وادي العميان « 

shawy
Avatar
تأليف nissaa

يتشكل نص (وادي العميان) من بناء داخلي هو مركزه وعقدة حكايته. ويتمثل ذلك في تَعَرُّف Nuñez على فتاة حسناء سندرك، من خلال النص، أنها بنت أكابر قوم العميان. وسيكون هذا التعرف بمثابة انقلاب في أسلوب الحكاية وطريقتها، إذ من خلال هذه المعرفة العاطفية سيتمكن صاحبنا من الاندماج في قوم العميان بعد أن قرر الزواج منها رغم المعارضة بسبب إبصاره. ويمكن القول إن العملية التي أُجْرِيت له حتى يتمكن من حبه ويصبح مقبولا لدى القوم (يعني فشل معارضته)، في نفس الوقت، أهَّلَتْه للفوز بشيئين إثنين: الحب المؤكد الذي أراده من ابنة (يعقوب)، والقضاء على المعارضة التي واجهته. أما الشيء الثاني فهو أن يصبح مواطنا في بلد العميان.

هناك نص فرعي ضمن نص أصلي يسمح بتشكيل المعني، ولكنه يوجه هذا المعنى في اتجاه يتميز بالتناقض لإحداث نوع من التوتر في الحكي، وهو التوتر الذي يمكن للقارئ أن يشعر به إذا ما تفحص المعنى الدال في سلوك الشخصية، أي قبوله الطوعي أن يكون أعمى كبقية العميان في سبيل الحب والزواج من ابنة كبير القوم. إلا أن هذا التناقض سرعان ما ينجلي عن أطروحة مهمة ستصبح بمثابة الخلاصة أو الدلالة التي أريد للنص أن يوحي بها للقارئ… أقصد أن القبول بالعمى في سبيل الحب لم يكن سوى مقدمة لرفض العمى في سبيل الحرية. فالعمى من حيث الدلالة قد يكون هو الحب، ولكن التمكن من الحب قد يصبح طريقا نحو الحرية.

يخبرنا النص أن سارده (وقد قَبِل إجراء العملية التي لم يكن له منها أي مناص) بعد أن تآلف مع وضعه الجديد في وادي العميان، وهو أعمى مثلهم (مع الفارق أنه كان يبصر من قبل)، سيخرج في صبيحة يوم إلى المروج الفسيحة مبتعدا عن المكان الذي انحشر فيه، وحين توجه نحو الصخور الراسية هناك انبهر بالشمس الساطعة، ففكر في الحرية والعودة إلى عالمه الذي منه أتى. أي ينتهي النص بالعودة إلى الأصل حين أصبح العمي مع وجود الحب لا يُطاق. وهكذا جاء طلب الحرية مخرجا له من عبودية المكان والعمى والحب والضياع… وما شابه.

ومن هذه الزاوية أجد أن هذا النص يتألف، إذن، من أربعة عناصر متراكبة تقوم عليها الأحداث المروية من طرف راويها العليم:

-العرض، وهو المتمثل في طريقة عرض الأحداث (اسم وادي العميان، موقعه، وصول Nuñez إلى المكان وباقي التطورات الأخرى إلى أن ينتهي باستعادة حريته وخروجه إلى النور وتمددّه على الثلج…)

– القصة، وهي المُتَضَمَّنة في البناء المعماري، أو في العناصر المختلفة التي تشكل المعنى من خلال القراءة أو الاستماع،

– الأحداث والتطورات والشخوص، وهي المواد التي تتألف منها القصة والتي بدونها لا يمكن أن تكون قصة، كما لا يمكن أن يحصل المعنى إلا من خلال تشكيلها في اللغة،

– الرموز والإشارات، وهي مجموع الدلالات التي تحصل من خلال القراءة والتأويل. والرموز والإشارات في القصة لها طبيعة القيم: الإبصار في مقابل العمي، الحرية في مقابل العبودية … إلخ

فهي، على هذا، قصة موحية توسلت بالرمز للتعبير عن المعنى الذي يسبغه الإنسان على القيم (الإبصار هو الحرية). مع التأكيد على أن مسرح القصة هو (البيرو)، وأن في ذلك نوعا من التعبير الدلالي عن ثقافة مختلفة تحتفي بقيم هي من صميم التجربة الحياتية للأفراد وللجماعات.

فهل يتعارض الحب مع الحرية إذا ما افترضنا، كما ادّعَتِ العَرَبُ عليه، أنه العمى؟ وهل تكون الحرية اللاتينية أقدس منه في حياة الإنسان المبصر؟

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق