آراء أخبار الساعة

عبد القادر الشاوي يكتب أماني ومستملحات « غونتر غراس »

shawy
Avatar
تأليف nissaa

إذْ روى أن التخلي عن رؤية جبال (الألب) من علو شاهق قد لا يعنيه في أي شيء، ويمكن له أن يَعْرِض عنه طائعا في أية لحظة

ثم ذَكَر أن (النيبال) لم ينل إعجابه أبدا، وأن قلعة « نيوشوانسطن » التي بناها الملك لويس الثاني عام 1869 في إقليم بَفْييرا بألمانيا رهيبة تماما، لا تثير إعجابه مطلقا. وأنه مفتون بالمشي وحيدا مع الأبناء لا يمل من الدوران، ولا شيء يعوّضه عن (البرتغال) البلد المفتقد، يقولها بحرقة، وكم يستذكر في حال من الفقد شطآنه في الجنوب الغربي من جغرافيته المحجوزة. وعندما ينظر صوب المغرب يَلِذ له، في نشوة كبرى، أن يدخن لفافة محشوة بالدوخة بعد أن تعب من أوربا وجوها الصناعي الجامد، ثم هذا الأمل في أن يسافر بدون جواز ولا حقيبة وفقط بوضع الأصبع على الخرائط المتجاورة، وهذا الألم الخريفي لأنه يرى بعيدا في الأرض اليابسة الجدباء أثارا برتقالية فوق أرجل بيضاء، ونراه في آخر مستملحاته يؤكد بدون ريب أن الرَّفْضَ صعبٌ، وقد يكون في بعض الأحيان يسيرا، غير أن الندب في أحايين كثيرة يجعل الرفض حيا لا يموت لقوة في العواطف لا يكون الإنسان إلا بها إلا إذا قُضِي أمره من دنياه…

هل نستغرب من هذا الحائز على نوبل عام 1999 أن تكون أمانيه عبثية وربما غير مفهومة، دون النوسطالجية في التداعي والأسف؟ وهل للسؤال معنى عندما يكون المَعْنِيّ به حرا في اختياراته لا يمكن أن يثنيه عنها إلا قراره الخاص المرتبط بتقدير الأهمية من عدمها؟ ربما أردتُ أن أقول إن (غونتر غراس) كان في لحظة انتشاء بالأماني والمتمنيات، الممكنة أو المستحيلة، فأراد أن يعطي للغته ولقوله إمكانية التعبير عن أوهام تراوده كأي كاتب يتعلق بالكتابة للتعبير عن المعنى أو عن المطلق، بصرف النظر عن التقدير الذي يمكن للقارئ أن يسبغه على ذلك في الحالتين أو في حالات أخرى.

لا يجب أن نستغرب إذا ما عرفنا أن ل(غونتر غراس)، الروائي الألماني الشهير، إذَنْ، مستملحات خيالية صاغها برفق أدبي مؤكد في أواخر أيامه بعد أن تعب، على الأرجح، من الكتابة والرسم والنحت. وكانت قد أثيرت حوله شبهات تسبَّبَت فيها سيرته الذاتية (تقشير البصل) عندما ذكر، على قدر من الاعتراف صاغه من الذاكرة بعد أن كَبُر واستهتر، أنه انتمى، وهو ابن السابعة عشرة من عمره، إلى مجموعة مختارة من المقاتلين كانت لها شهرة طَمَعَ فيها شباب المرحلة قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها بقيادة الفوهرير هنرييش هيملير. قيل له إنك لم تتبرأ من النازية فكيف يحق لك أن تتغنى بالديموقراطية؟. ولكنهم، فيما يبدو وَلِي أن أعتبر ذلك في حكم المؤكد، لم يدركوا أن السيرة الذاتية خادعة، إن هي إلا صور مستوحاة من الذاكرة عن تجارب قد تكون مفترضة، ليس بينها وبين الواقع المدرك أية صلة أو هي صلة وَهْمٍ لو أحببنا أن نعقد لها رابطة. فَمَن دافع عنه يا ترى بعد أن سقطت التهمة على رأسه؟ إنهم قوم أو كتاب، منهم الخائف على مصير هرّبَهُ معه من مومباي بالهند إلى انجلترا ك(سلمان رشدي)، ومنهم من كان على اليمين بذلك التصابي الذي نَخَالُه، عادة، نرجسية مُركّبة من زهو وشهرة عالميتين ك(فرغاس يوسا)… إلخ

وبما أن ل(غونتر غراس) في كتابه (عن المحدودية) ما يشبه القصيدة يقول فيها على نفس إيقاع المستملحات التي هي شطحاته:

(يروق لي أن أجلس في الكنائس الفارغة / رغم أن إيماني منذ أن وَعَيْت تبَخّرَ كالغمام/ ولا شيء يسرني اليوم/ إلا هذا التنافس الذي أبديه مع (روح القُدُس)/ رافضا ذلك الخالق القديم لطير الحمام/ من خلال قصص الجُرذان).

فإنه، كما أفترض، لا يجوز الاستغراب، وإذا جاز فهو غرابة قارئ قبل الكاتب.

تعليقات

تعليق