آراء أخبار الساعة

    عبد القادر الشاوي يكتب : المروضة والنمور

shawy
Avatar
تأليف nissaa

هذا هو المنجز الذي اشتهرت به فكان في غاية الإدهاش: (رَجَاهْ)، النَّمِر الذي تعهدته بالرعاية منذ أن كان صغيرا، وكثيرا ما اصطحبته معها في نزهات، إلى جانب التداريب اليومية، وحَمَتْه بحنانها الخاص حتى كبر واشتد بأسه.

 ها هو، في السيرك أمام المئات الذين يتابعون المشهد تكاد قلوبهم تقفز من صدورهم في هلع، يطوّقُها من الخلف ويعتلي ظهرها في قفزة جاذبا عنقها نحوه بعد أن التف حوله. انطلقت صرخات مزمجرة من جمهور توهّم أن النمر قد شرع في افتراسها، غير أن ما كان يجري أمامه لم يكن من ذلك القبيل إطلاقا. فها (رَجَاهْ) على ظهر (سْطارْك) تماما كما يفعل مع النمرة، يريد احتلاب شهوتها المستحيلة، ثم، فجأة، بين ارتباك الجمهور وصراخه، يقذف شيئا منه، مبلغ شهوته، كما لو كان خيطا رفيعا يندلق في الفراغ لم يصبها، أو لعله أصابها كما الرذاذ المتطاير. يُقال إن (سْطارْك) مسحت ثيابها برفق، ثم استوت بعد ذهول، فشرعت تلاعبه من جديد ببراعة وخفة كأنها استعادت معه ما كانت تعرفه بالتدريب والمياومة من رياضة المتعة pleasure sport.

اسمها (ماري هايني) وعُرفت ب(مابيل سطارك)، وقد سبق لها أن اشتغلت ممرضة قبل أن تلتحق بالسيرك راقصة، وفي 1916 شرعت تتدرب على ترويض النمور بفضل (لويس روث) الذي تزوجت منه فيما بعد، ثم تعلقت نهائيا بالمغامرة فعاشرت النمور على الوفاء رغم النهش ومحاولات الافتراس المتكررة، بل وأحبت منهم (رجاه) أكثر من الرجال الأربعة الذين ارتبطت بهم. وكانت تدخل إلى القفص، في كثير من المرات، مع ثمانية عشر منهم فلا تطعمهم، على جوعهم، إلا الجزر، علما بأنها تعرضت لهجمات شرسة من طرفهم حتى أنهم أخروجها مرات فاقدة الوعي بعد أن ظن الجمهور أنها فارقت الحياة.

كتبت في سيرتها: (كانت أبواب الممر الضيق تفتح عندما أصَوِّت السياط بضربه على الأرض صارخة في تحد: دعوهم يدخلون، هيّا.. وهكذا يخرج الصغار المُخَطّطِين وهم يُضَرْضِرون ويتعاركون والبعض منهم يتجه نحوي.. إنها إثارة لا يمكن مقارنتها بأي شيء، والحياة بدونها بالنسبة إليّ لا تستحق أن تُعاش). وما زالت تردد في أسوإ الحالات: (إنني منشغلة بوضعية الجمهور لأنه عاش فيما يبدو بسببي حالات شديدة من الرعب، كما أنني كنت أعاني من جراء العقاب الذي سوف تناله النمور لأنهم أرادوا قتلي). أي في منتهى التماهي مع الألم ومع رياضة المتعة ومع اللحظة(ات) المفزعة التي كانت تجابه بها الموت كأنه الحياة.

نفهم إذن، بوضوح تام، أنها المرأة التي أرادت أن تكون نمرا، أو هذا ما قدروه لها، عجبا، بالمعنى الذي لا يفيد المسخ بل التماهي الممكن، من باب الشعور، مع الطبيعة الخاصة بالنمر وربما بأنثاه على وجه الخصوص، لأن (سطارك) كانت تعرف، على الأرجح، وهي المروضة المحترفة، ذلك الاهتمام الذي أولته الثقافات لفصيلة النمر في العصور القديمة. هذا فضلا عن ارتباط صورته وفرائه بمفهوم (النبالة)، حتى جاءت مرحلة أصبح فيه النمر (الأسود) شعارا لكثير من الدول في إفريقيا ولبعض المستعمرات البريطانية السابقة. ومن المؤكد تماما أنها كانت على دراية بالصور المتداولة والمعروفة لدى بني البشر حول النمر، فالأناقة والنبل والقوة جميعا كانت حلية للكثيرين من عشاق النمر، أما ارتباطه بالخطيئة فلم يكن له اعتبار كبير في الفهم والإدراك، وإن كان الترويض ذا نفحة ميثولوجية دينية مستوحى من التوراة اليهودي (نمرود بن كنعان مروض النمور في التوراة اليهودية)، وغير خاف أن النمور كانت شعار المحاربين والملوك في الحضارات القديمة.

ومن أغرب ما يمكن الوقوف عليه في تجربة (سطارك)، وله إيحاءات جنسية واضحة لا يدركها إلا من تجرد من ذكوريته، أنها كانت تعتبر هجوم النمور عليها محاولة مشتهاة لمواقعتها، فتقول: النمور تشبهنا، وكل واحد منهم حالة خاصة، ومن الضروري معرفة كل حالة على حدة. ولم يكن من المستغرب تماما أن يقال عنها، عندما قررت إنهاء حياتها بالانتحار في أبريل 1968 وكانت قد نيفت على السادسة والسبعين، (أنها كانت تريد الموت بأنياب النمور فاختنقت بالغاز)، وهو ما يفهم منه لماذا كانت تعتبر النمور عن تجربة (الأسياد الحقيقيين لمملكة الحيوان أجمعها)، بَدِيهيّتُها في ذلك، ولو بنوع من التسليم القدري بالأحقية التي لا تستقيم في عالم مفترس، أنَّكَ تستطيع أن تخيف الأسد، ولكنه من المستحيل تماما أن تخيف النّمر.

لا علاقة لهذا، بطبيعة الحال، بذلك النمر السجين في قفص في قصة السوري الفانطستيكي زكريا تامر وهو يحدق غاضبا في الرجال الذين تحلقوا حوله وأعينهم تتأمله في فضول ودونما خوف، فيما كان أحد المروضين يتكلم بصوت هامس وهو يقول لهم: « إذا أردتم حقا أن تتعلموا مهنتي، عليكم ألا تنسوا في أية لحظة أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهنة صعبة وسهلة في آن واحد. انظروا الآن إلى هذا النمر، إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير ويصبح وديعا ولطيفا ومطيعا كطفل صغير. فراقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام وبين من لا يملكه، وتعلموا ». يجوز أن نقول عن (سطارك) إنها كانت امرأة – نمرة تُطْعِم نفسها بنفسها في غير ما حاجة إلى مروض يُخْضِعُها.

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق