آراء أخبار الساعة

عبد القادر الشاوي يكتب « بُولانْيُو » الذي أمَاتَ العزلة

تأليف nissaa

لم ألتق به أبدا، وهو، على كل حال، كان شبه مُتَوحّد، أو على شبه بالمتوحد، فضلا عن أنه عاش في جغرافيات مختلفة (الشيلي، المكسيك، إسبانيا) منذ أن هجر موطنه الأصلي على إثر انقلاب ديكتاتوري

زد على هذا أنه أفنى حياته في الكتابة منذ أن أتقن حروفها الأولى وفي التدخين منذ اليفاعة الحائرة… ثم في البحث عن الجوائز المحلية التي كان يتصيدها ويعرف مسبقا أنه سينالها تلك التي كانت تُفِيدُهُ في ضمان قوت عياله وزوجته فضلا عن تدبير الحياة اليومة على الوجه الذي كان يرتضه، أي على الكفاف لا العفاف.

وعندما تعرفتُ على كتاباته، شِعْرُهُ في المقام الأول وهو مُلْغِزٌ رغم أنه يتفتق عن ذهن يقظ وحساسية ذاتية مفرطة في التجاهل والعبث إلى حد ما، ثم على رواياته المُشخِّصَة لمسارات فردية منغمسة في شؤون الحياة اليومية وقضاياها المربكة للشعور وللوجدان… منذ ذلك الوقت تعرفتُ أيضا على وحدانيّته وعالمه المختلف ذي الحالات الغرائبية الممعنة في التحَيُّر والاضطراب.

وفي كثير من الصور التي رأيتُها له يظهر بعلامتين اثنتين: نظارته الطبية الدائرية، وقد كانت في زمنٍ علامة على حالة مثقف (برشتي) في اليسار والانحياز، وفيها أيضا ما تبْعَثُ به للآخرين من شغف بالفكر والتأمل والخلوة. أما العلامة الثانية ففي شَعْرِهِ المنفوش الذي يُكَوِّن فوق رأسه شبه دائرة مبعثرة تقريبا لم يقربها مُشْط.

علامتان لم تفارقاه، ربما، وبقيتُ أنا مشدودا إليهما. ومن الإعجاب كنتُ أعود إلى صوّره باستمراره بغرض الاطمئنان على أنه لم يغير منهما شيئا، رغم أنه كان قد أسدل شعره في بداية الشباب، وحسَّن منه بالقص في أواخر أيامه… هذا الروبيرتو بولانيو Roberto Bolaño لم يعش إلا خمسين سنة، وأدَبِيَّةُ هذه السنوات أقل من ثلاثين أنتجَ خلالها ما لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية.

لا يُذكَر بولانيو في العالم العربي إلا لماما، ولم يسبق لي أن قرأتُ شيئا عنه فيما ينشر في المجالات أو في الصفحات الثقافية للجرائد التي اطّلع عليها، وأجهل تماما ما قد يكون ترجم له إلى العربية من روايات. والمؤكد أن ذلك تم لاعتبارات مختلفة قد يكون من أهمها أنه لم يحظ بالشهرة التي انعقدت لبعض أدباء أمريكا اللاتينية المشهورين ب(البوم) من أمثال ماركيز ويوسا وباث ورولفو ودنوصو وغيرهم كثير. ثم إنه كاتب بالإسبانية رغم أن مختلف كتبه ترجمت إلى الفرنسية ونشرت عن دار نشر (كريستيان بورغوا)، وهناك ترجمات إنجليزية لبعضها في إنجلترا والهند والولايات المتحدة منتشرة بين القراء وتزداد انتشارا فيما يبدو.

يحكي خابيير ثيركاص في كتابه (جنود سلامينا) كيف أنه أنهى كتابة الكتاب فأعاد قراءته ومراجعته، تركه لفترة ثم أعاد قراءته، وفي القراءة الثالثة أحس بالخيبة قائلا: الكتاب لم يكن سيئا، ولكنه كان ناقصا وغير تام… وربما كانت تنقصه، كأي شيء ميكانيكي، قطعة ما. والمشكل أنه لم يكن يعرف أية قطعة تنقصه… ثم قام مجددا بإعادة النظر في الكتاب وأجرى التصحيحات اللازمة، ولكن القطعة ظلت ناقصة، فعلق على ذلك تعليقا حرفيا بالقول: ومع ذلك بقي الكتاب أعرجا. تخلى عنه وتركه جانبا وانصرف إلى عمله في الجريدة، فما كان منه إلا أن غيّر اهتمامه من الانشغال بالقضايا الجارية إلى القيام بحوارات مختلفة مع رجال أعمال، ممثلين لاعبي الكرة شعراء سياسيين ودبلوماسيين إلخ… إلا أن اختياره، فجأة وبدون تدبر، وقع على بولانيو هذا الذي يقول عنه: كان كاتبا شيلانيا يعيش منذ فترة طويلة في بلانس  Blanes، قرية شاطئية تقع في الحدود بين برشلونة و »جيرونا »، يبلغ من العمر سبعا وأربعين سنة  وله عددا من الكتب، ويعطي الانطباع بالبوهيمية… وقبل أن يتبادلا أية تحية قال له بولانيو: ألستَ الكاتبَ Cercas صاحب كتابين « الهاتف النقال » و »المكتري »؟ (في إشارة إلى الكتابين الأولين اللذين كنتُ قد نشرتُهُما إلى ذلك الوقت): طيب، ما الذي أتى بك إليّ؟ ومن أوصلك إلى عزلتي؟ ولأي غرض تريد محاورتي؟ فأجابه ثركص بالجواب الذي ارتضاه منه: لأنك كاتب مختلف، لا يعرفك في إسبانيا إلى اليوم أحد.

لم يكن بولانيو يقرب الآخرين إلا لماما، في عزلة فرضها على نفسه في الكتابة والحياة. والمشكلة، فيما أظن، أنه أخلص نهائيا للكتابة، حتى إنه عندما أراد كتابة أطول رواية أمريكولاتينية (1126 ص) مات ولم يكملها، أو لم يكمل ثالث أجزائها. ولما نُشِرَت كاملة بعد وفاته توضَّحَ، لمن أراد أن يوحي بشيء، أنَّ وفاة الكاتب هي استمراريته في الحياة بطريقة كتابية، وأن قراءة تلك الرواية شبيه بالصعود إلى جبل لا ينفك الصاعد أن يتساءل متذمرا: وَيْلاَهُ لماذا أرغمتُ نفسي على الصعود؟ بيد أنه عنما يتأمل المنظر من علٍ يشعر بالارتياح هامسا لنفسه: لعل الصعود كان ضروريا.

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق