آراء أخبار الساعة

عبد القادر الشاوي يكتب.. مصائر على مشارف التراجيديا

shawy
Avatar
تأليف nissaa

سيموت أنطونيو مَتْشَادو مُقْتَلَعا. هذا بالتأكيد، كأنما لم يكن له الوطن الذي انغرس فيه بالازدياد. ويمكن أن نتصور أن (إسبانيا) كانت (في القلب)

كما هو عنوان ديوان الشاعر الشيلي بابلو نيرودا، الذي أشرف على إصداره الشاعر الإسباني الآخر ألْطُو لاَغِيرِّي تحت نيران الحرب الأهلية أيامها… ولكن الجسد المتعب، بعد أن اجتاز الحدود، جثا ثم تهالك ثم همد مُتَيّبِسا على الأرض الفرنسية لا حياة فيه.  كان الطاغية الفرانكاوي يتقدم في الربوع الإسبانية، بعد أن نظم صفوفه في تطوان واستسلم له الشمال كله، ثم حين بدأت تتهاوى المقاومات البطولية تحت قنابل الدعم النازي… كما أن حِيّل (كتائب المقاومة الدولية) التي هبت للنصرة لم تنفع، واحتشدت أطياف النازحين، بفعل الهول، في المعابر والموانئ والطرقات المؤدية إلى المنافي البعيدة، وها إسبانيا كلها تتهيأ في ياس عميق، إلا ما كان من الأفراح التي أوقدها المنتصرون في كل مكان، لاستقبال العهد الديكتاتوري الجديد بالجفاء الذي لا بد منه عندما يُعْجِزُ الانتقامُ منتقما، أما عندما تجف لغة النعي  فانكسار المتكلم بعد الاستسلام أولى، وفراره من القتل قتل آخر… كل هذا وقد عمَّ اليأس في كل مكان عشية 1939.

كان الشاعر ماتشادو قد وصل مَشْياً إلى الحدود، لم يترك خلفه أي أثر يدل على سيره، كما يقول في قصيدة مؤلمة طابعها التفلسف وفيها لواعج جارحة في الواقع، ولكنه سيتنفس الصعداء في قرية صغيرة (كُولْيُور) وبين يديه تربة إسبانية محفوظة في صُنَيْدِق، وفي هذه القرية مات مُكَفّنا في الراية الجمهورية، ستُعْرَف بقبره وقبر أمه التي توفت بعده بثلاثة أيام فقط. ويمكن الجزم هنا أن تعدد المعابر بين بلدين متجاورين ساعدت الكثيرين على النجاة بأوهامهم من نار الحرب، غير أن المصير الإنساني العام في علاقة بالموت الزؤام كان واحدا بالنسبة لجميع من عبروا أو لم يعبروا… هُم الذين أجلوا موتهم لفترة، في حقيقة ما قاموا به، ثم سقطوا في اليأس بعد أن استقرت الديكتاتورية على قلوبهم، والموت المقصود هنا هو ذلك الحزن الدائم على بلد محترق وأياد لا قدرة لها على رد المصاب. الموت أهون ولا اليأس الذي يصيب العقل بالهزيمة.

أشير بنوع من الاستطراد إلى المصائر التراجيدية: لا يمكن أن أنسى بتاتا ذلك المصير المحزن الذي قاد (والتر بنجامين) عبر معبر حدودي إسباني إلى (بُورْتْ بُو) هاربا خائرا ملذوعا مهزوما هزيمة الذات الفلسفية، ولم يستقر في القرية الحدودية المطلة على البحر المتوسط إلا وقتا حتى قتل نفسه مشنوقا بما يقتل به المنتحرون أحلامهم خوفا من الأعادي والعوادي. هنا أيضا كان الموت لئيما فأماته بالإرادة في قمة الجرح الذاتي. بقي حلم الهجرة مذكورا في التاريخ، أما الذات الفلسفية المبدعية التي راهنت على الهجرة إلى أمريكا فلم تسلم من اليأس الذي يكون خاتمته الموت كما رأينا.

وهذا (سطيفان زفايغ) الذي جمع إلى صدره شهرته وماله وكتبه والأحلام الأوربية التي عششت طويلا في دماغه الوَثّاب، وسار بكل ذلك، في قِمَمِهَا كلها، في ثوب اليأس إلى البرازيل، ولما سكن إلى خليلةِ رُوحِه في أعلى مكان، لم يجد سبيلا إلى الهاوية إلاّ أن يلقي بجسده، وجسد من سكن إليها، إلى القاع المسطور في كتاب الانتحار. ومرة أخرى يأتي الموت في كفن اليأس ويُعْتِم التراب على الميت المنتحر في حفرة.

وإذن في (العالم التراجيدي) لهؤلاء الذين جمعت الصدفة التاريخية بين مصائرهم في نهاية، ولا يهم أن يكون الانتحار شيئا آخر غير الموت، قضية مشتركة ترتبط بالذات وتتعلق بالسياق والمناخ، أقصد: الموت الذي أصاب الحياة المبدعة، ولا نعرف، على وجه الدقة، كيف يمكن للذات المعطاء أن تنغلق على مصير مبهم لا يبين فيه مخرج يسمى النهاية. لا نعرف.

أريد القول: إن ما بين القرار والمصير موت، موت مؤجل كذلك في بعض الحالات، ولكن الذي يخفيه الموت بحكم الحتمية القدرية أن التراجيديا الإنسانية لا تكون إلا إذا كان الموقف فلسفيا وذاتيا وأليما وفيه النوسطتلجيا والأقدار المناوئة والصدف، ناهيك عن الأعداء… الباقي اختيارات قد لا تكون لها أية قيمة لأنها من طبيعة الحياة، فإذا ما تَغَيّرَت هذه، وهي في تَغَيُّر مستمر، تغيَّرت معها الأوضاع والموجودات. أقصد ثانية: أن الموت هو الأبقى وما دونه طريق يسير في فراغ يصيح فيه الشاعر بالتراجيديا منهزما تماما: (كل شيء يمضي، كل شيء يبقى، وما نحن فيه إلا مضاء، يمضي وهو يصنع الطُّرق، طُرق على البحر، لم أحقق أي انتصار، ولا تركت في ذاكرة الناس أغنيتي). وفي يأس يضيف: (أيها الماشي، لا طريق في الطريق، فالمشي هو الطريق، والطريق هو الممشى، وعندما أنظر خلفي، أرى مَحَجّ السراب، كأنه لم يكن طريقي في ممشاي، أنا الذاهب فما الطريق في إثري غير الضباب).

تعليقات

تعليق

fdm-popup-44

تعليقات

تعليق