مجتمع

عشاق فطور "الزنقة" في رمضان

لها بعد تجاري وبعد اجتماعي، عنصران أساسيان لتحليل ظاهرة جديدة بدأت تبرز في مجتمعنا في السنوات الأخيرة، ألا وهي تناول وجبة الإفطار خارج البيت خلال شهر رمضان. تختلف السياقات، وتتباين الأسباب وتتنوع العروض والطلبات من فئة اجتماعية إلى أخرى، ومن تجربة إلى أخرى. فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ وكيف ينظر إليها؟.

سعاد، مهندسة، 45 سنة

« منذ سنوات دأبنا أنا وزوجي على تناول وجبة الإفطار خارج البيت في إحدى المطاعم لعدة أيام من شهر رمضان، في البداية كنا نقوم بذلك في عطلة نهاية الأسبوع، ثم بدأنا نزيد في عدد الأيام حتى أننا أصبحنا زبناء مخلصين لفندق يقع بجوار مسكننا، نتردد عليه باستمرار في هذا الشهر الكريم، للإفطار والترفيه أيضا. ويقدم الفندق وجبة الفطور والعشاء طيلة الشهر مع التنشيط الموسيقي بثمن إجمالي محدد في 140 درهما للفرد. وبصفة عامة قد يبدو أن الأمر مكلفا من الناحية المادية، لكن أنا أرى غير ذلك، بل أجد أن تناول وجبة الإفطار خارج البيت فيه إيجابيات كثيرة، فهو مريح بالنسبة إلي لأنني أوفر على نفسي عناء تحضير الوجبات في البيت، خاصة وأن شهر رمضان يشهد تغييرا في عاداتنا الاستهلاكية ويتطلب كثيرا من الجهد والتعب لإعداد الأطباق والمأكولات المتنوعة، الشيء الذي يتعذر علي مسايرته بسبب عملي خارج البيت حيث أقضي أزيد من ست ساعات يوميا في الشركة. واليوم الذي نمكث فيه بالبيت لتناول وجبة الإفطار، أضطر لدخول المطبخ مباشرة بعد عودتي من العمل لأهييء الأكل، ثم أستأنف العمل في المطبخ بعد الإفطار لتحضير وجبتي العشاء والسحور، ولا توقف عن الاشتغال إلا في حدود منتصف الليل. وهذا جد متعب بالنسبة إلي لا يترك لي المجال للراحة أو التواصل مع زوجي وأسرتي. لذلك أجد أنه من الأحسن لنا أنا وزوجي أن نفطر خارج البيت واكتشفنا أننا نكون في حالة أفضل، إذ نتحكم في وقتنا ونستمتع به ».

 عمر، صاحب محل لبيع الملابس

« إذا كان شهر رمضان له طعم خاص بالنسبة للكثرين، إذ تتغير فيه العادات اليومية ويزيد فيه التآزر العائلي والتواصل الأسري خاصة حين الالتئام حول مائدة الأكل في وجبة الإفطار التي تكون موعدا قارا يلتقلي فيه كل أفراد الأسرة لتناول ما جادت به يد ربة البيت من « الشهيوات »، فأنا أقضي هذا الشهر بشكل مختلف، إذ يكون الثابث عندي هو الأكل خارج البيت بعيدا عن أسرتي عكس ما يجري بالنسبة للآخرين، إذ تكون القاعدة عندهم هي مشاركة الأسرة في كل وجبات الأكل، وهذا الاختيار نتج عن طبيعة عملي، وليس عن رغبة مني في الهروب من الاجتماع بالأسرة، وتقاسمي معها وجبة الإفطار. فأنا أشتغل كبائع للملابس في محل مجاور لشارع محمد الخامس، في قلب مدينة الرباط، وأقطن في مدينة سلا، وبحكم ساعات العمل خلال شهر رمضان والتي تتجاوز وقت الإفطار لتصل إلى منتصف الليل، وبحكم أن الرواج وارتفاع وتيرة توارد الزبائن على المحل خلال شهر رمضان تكون في الفترة الموالية للإفطار أكثر من الفترات الصاحبة والزوالية وما بعد الزوال، فأنا أداوم في المحل طيلة اليوم، وأثناء آذان المغرب أحجز مكانا في مقهى من المقاهي المتواجدة هنا في باب الحد أو في مدخل حي السويقة، وطبعا اجتمع مع زملاء لي في المهنة من محلات مجاورة لهم نفس وضعي، ونتناول وجبة الإفطار حول نفس المائدة وكأننا من أسرة واحدة. وبالنظر للأسباب التي تجعل الشخص يختار الأكل خارج البيت خلال الشهر الفضيل، أنا أعتقد أنها تختلف من شخص لآخر، ولكل واحد ظروفه، فأسبابي أنا كما قلت هي بعد المسافة بين مقر عملي وموقع سكناي، بحيث لا يعقل أن أسافر من مدينة لأخرى فقط لأتناول وجبة الإفطار، وأعود ثانية للعمل خاصة مع ضيق الوقت وزحمة المواصلات قبل موعد الإفطار وحتى من بعده ».

 حسن، إطار بنكي، 34 سنة

« مسألة الإفطار خارج البيت في شهر رمضان تعودت عليها منذ أن التحقت بالعمل بإحدى الوكالات البنكية بمدينة الدار البيضاء، كنت حينها أبلغ ستا وعشرين سنة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أبتعد فيها عن أسرتي وأقطن لوحدي في شقة صغيرة اكتريتها بحي المعاريف غير البعيد عن مقر عملي، وقبل ذلك كنت ألازم بيت أسرتي في كل المناسبات والأعياد، وفي كل أشهر رمضان السابقة. كنت أستغرب من أمر الأشخاص الذين يتناولون وجبات الإفطار في المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان، لأنني كنت آنذاك متعودا على أسلوب خاص في العيش ونظام معين في الأكل بين أحضان الأسرة، وكنت متشبثا بالأطباق التي تحضرها أمي، وكنت أحس بأنها من أشهى الأطباق ولا مثيل لها على الإطلاق. لكن، حين وقع تحول في حياتي وفي نمط عيشي بعد أن أتممت دراستي وانتقلت للسكن في مدينة أخرى بعيدا عن أسرتي، بدأت أكتسب عادات جديدة، وأصبح أمر تناول وجبة الإفطار خلال رمضان خارج البيت سلوكا عاديا بالنسبة إلي، وأعترف أنني في الأشهر الأولى من هذه التجربة عانيت شيئا ما من العزلة والوحدة، كما أن دخلي كان متواضعا حيث لم أكن أتقاضى أجري كاملا من الوكالة البنكية حين كنت في مرحلة تجريبية، وكنت بالتالي أقصد المحلات والمطاعم المتواضعة التي تقدم وجبات بأثمان في المتناول، وذات جودة محدودة. وللتعويض كنت أخصص عطلة نهاية كل أسبوع للسفر لزيارة أسرتي. مع مرور السنوات، وبعد أن تحسنت وضعيتي المادية، بدأت أتعود على نمط عيشي الجديد، وتعرفت على أصدقاء جدد في الحي الذي أقطنه هنا في الدار البيضاء، حيث بدأنا نخلق أجواء خاصة بنا في شهر رمضان، نخصص فترة قبل الإفطار لممارسة الرياضة، وعند آذان المغرب نكون مجتمعين حول طاولة الأكل في مطعم مشهور بجودة أطباقه المتنوعة، والجميل في الأمر هو أن الديكور الداخلي للمطعم يهيأ حسب الطابع التقليدي المغربي ».

تعليقات

تعليق