آراء

عشق بلا عنوان

لطيفة-لبصير
تأليف fatine

ما أزال أسمع أنفاس « أنا كارنينا » وهي تتصاعد بفعل الحب. كانت هذه الشخصية التي أبدعها « تولتسوي » تجاهر بالحب خارج المؤسسة الزوجية والتقاليد المجتمعية، وكان الحب الذي تسعى إليه مرتبطا بالرغبة والعنف اللذين لا حل للوثاق المشدود بينهما،… لكن « كارنينا » مثلما أحبت بصدق، انتحرت لأنها لم تستطع أن تدافع عن غرامها الذي يرفضه الآخرون.
أتذكر العديد من الأنفاس التي فاضت بالأحاسيس في الحياة والكتب، أنفاس تلاحقت كثيرا وهي تئن وتعشق، لكنها فترت بعد حين. ويبدو هذا الفعل، الراغب بعنف والمتراجع بعنف أيضا، غريبا في ظل ما نعيشه، فالكل يريد أن يحب، ولكن لا أحد يريد هذا الكم الهائل من الألم الذي ضجت به القصص والحكايات القديمة.
يبدو العشق في هذا الصدد مرغوبا فيه، ومرفوضا في آن، فهو في نفس الآن رغبة الكثيرين والكثيرات، ولكن لا أحد هنا لكي يحب بالقدر المشار إليه؛ لقد غادر الكل إلى مدن أخرى تخف فيها وطأة الأحاسيس ليتحول الأمر إلى صكوك للاعتراف بالتوازن الجميل الذي يضمن للمعشوق أن يعيش في نظام وتحت احتياجات مسطرة.
يبدو ذلك، وأيضا، غريبا ، فالكثير من الراغبين في الحب هم النابذون له في نفس الآن، إنهم يريدونه في وضع الفرجة فقط،  لا أحد يريد أن يقص جناحيه أمام الكثير من المتغيرات، فالعديد من النساء اللواتي عشقن احترقن كثيرا، خاصة وأن العديد من العشاق مسرفون في تبديد الوقت في جنس ذي طابع رديء، ولذا، تشتكي النساء من هؤلاء الرجال الذين يعتبرونهن مجرد محطة « فيدانج » يغيرون فيها زيوتهم الصدئة ، ويمضون مبتهجين بهذا التفريغ، فتقرر العديد من النساء الاعتكاف على اللاحب واللاجنس، أو البحث عن عريس لانجاب ابن. وفي حال عدم توفر هذا الرجل المنظم، تعمل السيدات على  تبني وتربية أبناء آخرين فيستبدلن عاطفة الأمومة بعاطفة الحب، ويقضين على فعل العشق إلى الأبد…
في الزواج؛ تبدو العديد من التجارب المحبطة وكأنها عدوى تنتقل للآخر غير المجرب، فيكتفي بالهزيمة ولا يقوم باقتراف هذا الفعل، وقد سبق لصديق خاص بلغ الستين ولم يتزوج، أن تحدث لي عن الزواج وفشله، استغربت حديثه ذاك، وقلت له : في النهاية، أنت لم تتزوج يا صديقي، دع المتزوجين يتحدثون عن هذا الفعل، واترك التنظير لأصحابه..!
تبدو المعارك الغرامية مثل معارك الحرب، فهذا التزاوج أبدي، والعنف مطلوب رأسه في الحب أيضا، فالعلاقة بين عالمين اثنين مختلفين لا يمكن أن تثمر، في البداية، دون معركة لغوية  بالأساس، لأن أصل الحب مواراة وتجاهل للآخر، ثم تأجج وصخب وعنف، وبعدها يتم التلاقح وينضج إلى أن يصير شرسا عند المواجهة،ومانحا للحياة… لكن الكثير من العشاق لا يستطيعون المرور من المعارك اللغوية إلى المعارك الغرامية أو المزاوجة بينهما، ولذا، لا تريد النساء في حيواتهن الزوجية أن يثمرن علاقة صاخبة جنسيا، بل يكتفين بالواجب العادي المنهك وكأنه طقس تؤديه كثمن لفعل الزواج في حد ذاته، غير أن الرجال يرغبون في امرأة معطاء، مرتعشة الأطراف، هائمة تصرخ بجنون، وغير تقليدية بالمرة، وهذا الطقس يبدو أنه الدافع للكثيرين للبحث خارج المؤسسة الزوجية عن جنس آخر أكثر إثارة للرعب والرغبة، فتخلق المعارك بين الزوجين، ويضيع فعل الحب لاختراق العضو الذكري القانون المنظم.
ضمن كل ما نعيشه، ينبغي أن نعترف بأن لكل عشق حالة خاصة، ولكل ضوء نبيذه العطر، فالعشاق لا يتشابهون، فالبعض ينتظر طويلا نضج عشق امرأة له، ويوقظ أصابعه بكل الأحاسيس البهية كي يعانقها إلى الأبد، والكثير من العشاق جربوا أن يحرقوا الأصابع بسرعة، ويفقدوا البصمات كي لا يتم التعرف على جرائمهم اللعينة، لذا، يبدو العشق غير خاضع لأي قاموس قديم.
كل حالة هي عالم لوحدها، والعشاق لا يتشابهون، كما الأزواج لا يتشابهون أيضا، والكف عن التقليد هو الكفيل بخلق عالم آخر، عالم يمنح ضوءا آخر جديرا بالدفء والمتعة والحياة…

لطيفة لبصير

تعليقات

تعليق

loading...