آراء أخبار الساعة

فتيحة النوحو تكتب : سلوان الأم في  مرابع   الشاوي

chaoui livre
تأليف nissaa

قد لا تكون من سبيل المصادفة أن يحتفي العالم العربي بعيد الأم في  نفس تاريخ اليوم العالمي للشعر الذي يصادف 21 مارس من كل عام

  فالأم  الملهمة الأولى للأدباء  سواء بإدراك أو بدونه،بخفاء أو بعلن  ، بالنفي أو بحضور ،بإعتام أو باستضاءة  ، »فكل البيوت مظلمة حتى تستيقظ الأم » كما يقول جبران خليل جبران ،فكل أرواحنا تكون  في حالة  إظلام كركح  ساكن حتى  تبعث الأم فينا  فتنشط الذاكرة وتستسلم في بوح شجي لعلها تنعم بقليل من السلوى  والسلوان في  مرابعه

فالأم ذاكرة   التي لا تُركن في  المتحف ولا تحتمل أية  تعزية  ، هكذا نكون ندحض السطور الأولى  لرواية مرابع السلوان لعبد القادر الشاوي حيث يقول  : »… إن الذاكرة ليست متحفا فقط بل تعزية أيضا. هي متحف، وهذا واضح تماما، لأن الوقائع فيها تستقر بعد أن تبلى وبعضها يشيخ »

فعندما نتوغل في المتن  نجد أن الكاتب كان متحصنا بقناعة الشاهد  الأمين للمرحلة الرصاصية كما يصفها  وما تلاها  من تسويات واهية ،يستحضر الأمكنة  يستنطق الأحداث و الوقائع، لكن كل هذه تغيب في وهلة حينما  يطفو  الحدث  الجبار ألا وهو موت الأم هنا تخان الذاكرة  المادية للسارد  لتحل محلها  الذاكرة العاطفية ،  وتكون عبارة -على ما أذكر- لاغية للزمن كمعطى وقتي ويتوارى السارد الشاهد  ويتصدر المشهد  الابن الذي أنضجه الجمر بعيدا عن شرفات ألام  وهي في أوج عنفوانها  ويقول عبدالقاد ر الشاوي في نجواه لوالدته الراحلة  :

سأصل إلى سنتياغو، على ما أذكر، في نفس اليوم تقريبا الذي توفيت فيه أمي المسكينة. مصيبة بطعم الفاجعة ومفارقة أربكتني. ودعتها، كما أذكر أيضا، وهي تغالب سكرات الموت الهادئ، البطيء، من أثر عياء العمر الثقيل والسُكّري الذي نخر عظامها بالطريقة المضنية التي يعرفها المصابون. تنظر ولا ترى. انكمش وجهها على تجاعيد بالغة الالتواء، ذبلت عينيها في محجريهما فانطفأ بريق قديم كان يشملني بلمحه. رأسها الصغير المحزوم دوما بتلك الخرقة البيضاء لم يعد يطيق الصبر بعد أن نال منه الوجع والحزن كثيرا ما نال. نفسها هي التي لم تعد تطيق الصبر لأنها انغلقت على وحدتها الصغيرة الفتاكة. اقتربت منها كما كانت تريد. قبلتها وحاولت أن أشعرها بالحنان الذي أكنه لها ولا أملك غيره. قالت بصوت خفيظ: وأين …. ابني؟ قلت لها: ها أنذا يا أمي. كأنه هو بالنسبة إليه. والواقع أنها كانت تغالب سكرات وقلتُ هذا هو الوداع الأخير. كنت أريد إخبارها فقط. أردت أن أقول لها إنني ذاهب يا أماه… تماما كما قرأنا في كتاب (المطالعة) وكنا نردده بحسرة واندهاش مع ذلك الفتى الذاهب إلى الحرب. لا تسمع ولم تسمعني. زحف الكبر على محياها واستوطن الداء عقلها فكانت تبحلق في الموجودات ثم تغلق عينها الصغيرتين فتسكن إلى نهاية ما لا ندرك غورها. لا أعرف من أين يبدأ الموت، وكنت أرى في عينيها نهاية وشيكة.

لم أحزن كثيرا على أمي لأنني لم أذهب في جنازتها إلى المقبرة؟ …..ز. لم أر النعش. لم أر نفسي منكس الرأس. وفي الحالة الأخرى شعرت بالغيوم السياسية تحيط بي ثقيلة داكنة. وأنا على بعد بعيد أدركت أن الصدفة هي التي تصنع المصير. ربما قلت أيضا في لحظة تأمل إن تلك الصدفة تصنع الحياة أيضا. تخيلت النعش، نعش أمي، وهو في الطريق إلى (باب المقابر). من تجويفة القوس العتيق سوف يمر الموكب والسائرون فيه حيارى يحثون الخطى للتخلص من الميت. تخيلت أمي في النعش ساكنة كما رأيتها لآخر مرة قبل السفر. الصدفة هي الحصيلة. وأقول لولا الصدفة لما رأيتها، لما جئت إلى هنا، لما ذهبت إلى أي مكان، لما استطعت لملمة أشتات الذاكرة في عنقود من الوقائع التي مرت بها حياتي. أحب أن أسترسل هكذا في التيه إلى أن يغلبني الحزن… فضلا عن الغيوم السياسية الداكنة. أراه هو الحزن ينيخ علي وأنا في لجج من الذكريات والرؤى والمشاهد المفترضة. أعرف أيضا أنني سأرى القبر، بل سأقف عليه. سأتعرف عليه أو سيتعرف عليّ بين الحشائش والأسى. لم أكن أعرف مسبقا هل يستطيع القبر أن يضم إليه كمشة من العظام النخرة التي كانت متاع أمي في الحياة

تعليقات

تعليق