آراء

كيف تحب امرأة في 5 أ.

abdelkader-chaoui

براقش عبد القادر الشاوي

تعرف (نيرودا) على (ديليا)، الفنانة المثقفة الأرستقراطية، في أوائل تلك الأيام الرهيبة من بداية الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936… في مقر سكنى أحد مستشاري سفارة بلده في إسبانيا. كانت ديليا، الأرجنتينية الأصل، مناضلة شيوعية ذات شخصية جذابة وقوية، سبق لها، وهي بعد طفلة، أن سافرت في نهاية القرن التاسع عشر مع عائلتها بالباخرة نحو الديار الأوربية، واستقرت في باريز لفترة، ومع أنها تزوجت لوقت إلا أنها سرعان ما انفصلت عن هذا الزوج وارتبطت مباشرة بجبهة تحالف المثقفين الإسبان التي كان يقودها الحزب الشيوعي، فأصبحت على صلة مباشرة بكثير من المثقفين المرموقين من أمثال دالي، لوركا، ألبرتي وميغيل إرنانديث وسواهم… حتى لقبوها بينهم ب(النملة) للحيوية التي عرفت بها في الدعم والمقاومة. ولم يكن محيطها، ولا نيرودا نفسه، يعتبر بسنها، لأنها كانت أكبر منهم جميعا بحوالي عشرين سنة…. فجاء الاتصال المقدر بالشاعر الشيلاني، بعد التعارف، يوم أن قرر هذا، بعد اغتيال (لوكا) وموت (إرنانديث) في السجن، الانخراط في النضال السياسي والارتباط، بعد ذلك مباشرة، بالحزب الشيوعي… وسيكون ديوانه المشهور (إسبانيا في القلب) تعبيرا عن هذه الفترة النضالية المضطربة تماما، فيما كانت طبعته الإسبانية، في أتون الحرب، (على ورق أعد بطريقة تقليدية من القطن و »أقمصة الجنود المغاربة » كما روى ناشره الشاعر الإسباني ألطولاغيري) على الجبهة الكطلانية بكل تأكيد.

ومما يذكر لنيرودا، بعيد نهاية الحرب الإهلية بانتصار الفرانكوية، تلك المهمة السامية التي نفذها بهمة عالية بتكليف من ثيردا الرئيس الشيلاني في تلك الفترة المدلهمة، وذلك عندما هجّر نحو الشيلي في الباخرة المعروفة ب »وينيبيغ » مئات من الجمهوريين انقاذا لهم من الموت المحقق… فكانت ديليا وراء هذا المهمة والساهرة على تنفيذها النضالي أيضا. ولما تأجج الحب في حمى التقارب النضالي أصبح الزواج مطلوبا، وهو ما تم بالعاصمة المكسيكية عام 1943… في الوقت الذي كانت دليا تبلغ من العمر ستين سنة، بينما لم يكن نيرودا يتجاوز الأربعين. فقال عنها في واحدة من القصائد القليلة التي خلدت ذكرها: (ديليا هي ضوء النافذة المشرعة/ على الحقيقة/ على شجرة العسل..). ورغم أن العلاقة الزوجية استمرت عشرين سنة، إلا أن نيرودا، بعد ثلاث سنوات فقط، أصبح على علاقة جديدة دون أن تكون ديليا هذه على بينة من ذلك.

شوهد نيرودا في العاصمة الشيلية عام 1946، لأول مرة، صحبة (ماتيلد)، ثم رافقته إلى المكسيك، بعد ذلك، فتعلق بها من فرط الحنان الذي محضته إياه وهو على فراش المرض لا يستطيع المشي بسبب « الطرونبوفليبتيس » (انتفاخ العروق). وأصبح هذا التعلق هياما، لأن ماتيلد كانت امرأة مستقلة تتمتع بالحرية وتعيش حياتها على هواها… حتى قالت: « لم يفكر نيرودا الانفصال عن ديليا أبدا. لقد كنا سعيدين، ولم تكن للحياة الزوجية أية قيمة بالنسبة لنا… وقد كنت أشعر بالفرح لكوني عشيقة بابلو، لا أرغب في الزواج… ».

لم يكن نيرودا، فيما يبدو، يريد الانفصال عن ديليا، ولا التخلي عن ماتيلد كذلك… حتى أنه سافر مع الإثنتين إلى أوربا سنة 1955 دون أن تعلم الواحدة منهما بوجود الأخرى، إلى أن عثرت ديليا بالصدفة على ما لم يكن يخطر على بال المراوغ هذا، أي رسالة عشق وحب من ماتيلد…فما كان منها إلا أن حزمت حقائبها وارتحلت مفجوعة لأن صدمتها كانت، بالنظر إلى سنها أيضا، فوق الاحتمال.

ولكننا نعرف أيضا أن نيرودا لم يتزوج بماتيلد إلا عام 1966 ولم يكن قد انفصل رسميا بعد عن زوجته الأولى (ماريا أنطونييطا هاجينار) الهولندية التي كان قد تعرف عليها في بداية حياته الدبلوماسية بآسيا وتزوجها عام 1934، وخلف منها بنتا انكرها تماما فماتت في بلدة (كودا) الهولندية بعد أن سلمتها أمها لعائلة قبل سن العاشرة. كما أن (هاجينار) هذه لم تبتعد عنه إلا بعد أن علمت بعلاقته مع الأخرى (ديليا) التي كانت قد هجرته بدوها بعد أن أحب عليها ماتيلد… « ملكة » حياته، كما يقول عنها، لأنها كانت بالنسبة إليه زوجة، عشيقة، أختا، صديقة وأما… « كل ذلك دفعة واحدة لأنني كنت أحتاجها كذلك ».

وهذه المرأة بالذات، (ماتيلد)، هي التي صاحبته إلى نهاية حياته سنة 1973، وهي التي ترقد إلى جانبه بِذِلَّة واستسلام في (جزيرته السوداء)… إلا أنه كاد أن يتعلق كالمجنون، ولعله تعلق بالفعل، ببنت أختها تلك الفتاة الربيعية (إنيس ماريا كردوني) التي استولت على عاطفته… إلى أن طردتها خالتها شر طردة من بيت الزوجية. ولو لم يقتنصه الموت في تلك الشيخوخة المحزنة، إلى حد ما، لكان قد خلد ذكره العاطفي معها بغير قليل من الهيام، كما كانت عادته في حب النساء… في خمسة أيام تقريبا!!.

تعليقات

تعليق

loading...