آراء

لست حرة

latifa lbsir
تأليف نساء
في الصباح وأنا أتناول فنجان قهوتي أفكر بأنني اليوم سأذهب إلى حي شعبي، وأنظر إلى الفستان الذي اخترته بالأمس، وللتو أغيره لأن هذا الحي لا يقبل فستانا بأذرع عارية،

و أتذكر الشباب الذين يقفون على ناصية الشارع والمقاهي المكتظة بالعيون التي لا ترى سوى ما تريد. تبدو هذه الأشياء بسيطة، ولكن تعيشها أغلبية النساء. فهذا الشارع يسمح بأكمام طويلة، والشارع الآخر يستبيح فستانا فوق الركبة قليلا، والشارع الآخر بأكمام متوسطة الحجم، والآخر لا بأس من وضع غطاء ولو من النوع الخفيف  على الشعر للمرور. إنها قوانين خاصة وضعها الشارع لكي تعيش من خلالها المرأة !
حين نتأمل ما يحدث في الآونة الأخيرة من أشكال تحرش ودفاع عن الشرف واللحم الأنثوي كي لا يتعرض للعري، نجد أن الكل يريد أن يستر هذا اللحم، وفي نفس الآن يريد أن يراه. حتى أن أشكال الهجوم على الجسد العاري اتخذت أساليب مغايرة، وهي أن تزيد في تعريته حتى يعود إلى أصله الأول، أي لحظة الولادة، وهذا ما يبدو غريبا ومتناقضا في نفس الآن، و الأشد غرابة أن من يدافعون عن الصورة المثالية للعفة والاحترام و يتوسدون على الدين، يجهلونه تماما، أو لا يتعبدون على الاطلاق، ومع ذلك يتحدث أغلبيتهم عن القرآن والسنة.
حين أتأمل ما يحدث، أفكر في تفكير غريب آخر: ماذا لو منحت الطبيعة النساء كل القوة، وكن أقوى من الرجال بأجسادهن، هل كان ذلك سيحدث فعلا، ماذا لو استفاقت النساء ذات صباح بأذرع صلبة وأرجل طويلة ، هل كن سيتعرضن لنفس الهجوم ؟
لا أعتقد ذلك،  ذلك أن أجساد الرجال لها دخل أيضا في هذه التفرقة، فهم يعرفون سلفا ومنذ التربية الأولى أن الأنثى لها جسد ناعم، مهما كثرت الاستثناءات، إلا أن أغلبية النساء ليس لهن نفس الأجساد ولا نفس السلوك تجاه الشارع، وبالتالي يصبح الشارع ملكا للأجساد الخشنة.
لا أتصور أن الدين جاء ليعمي البصيرة، حتى أصبح الكل يغمس يديه في جسد امرأة ويرى بأن الدين أمره بذلك، ولا أتخيل أننا نعود إلى الجاهلية حتى تتطاول كل الأيادي لتلمس ثدي امرأة أو تضرب عجيزة لا لشيء إلا لأن لديهم القدرة على ذلك. فمن يحمي الجسد إذا؟ وماذا لو ان الأمور اتخذت مجرى آخر، وثارت النساء على هذا الوضع بنفس الهمجية وأنشئت عصابات نسائية متوحشة تبدأ بخطف الرجال وبقطع أيورهم مصدر قوتهم ومنبع جنسهم الفاحش، الذي يتحرك وراء أفعالهم، لأن الدين بريء من هذا الفعل المشين، فالدين لم يأمر بهذا الهجوم على أجساد النساء !
يتخذ الرأي العام دورا خطيرا في تنشئة الجيل، فالعديد من الأمهات  يربين أبناءهن على التميز، فنشعر بأن أم الذكر غير أم الأنثى، ذلك أن المرأة تشعر منذ البداية بقوتها بعد أن تنجب ذكرا او بالأحرى قضيبا يمتلك كل القوة لتمتد من خلاله إلى العالم وبالتالي تشعر بأنها ستكون أم العريس وبأنها هي أم الرجال، في حين تنزوي المسكينة التي لم تنجب سوى النساء في الظل، خاصة حين تفقد زوجها، إذ يصبح البيت بيت نساء، وتتقوى أم الرجال بقوة ذكورها، وتزيدهم قوة أنها تشعرهم بتلك الحظوة، حتى حين يلجون المدارس لا تعمد المدرسة على تربيتهم تربية سليمة بل إنها تضيف إليهم استثناء آخر في البرامج التعليمية، فنجد الفتاة في المطبخ مع والدتها كمخطط مرسوم سلفا، والذكر يلعب الكرة وأخته تنظف ملابسه، كل ذلك في الكتب سواء باللغة العربية أو الفرنسية، ولا يهتم المدرسون لذلك، فهم يكررونه هكذا كما أنزل، ولا يضيفون عليه شيئا. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن الفتاة تدخل ضمن خريطة سياسية واضحة لكي تقمع في كل الحقوق باسم الدين، فلا ترى النور في الكثير من الأشياء التي تطمح إليها، فتنتكس العديد من النساء في الداخل، وتصير امرأة مقهورة تحت لعبة وسادة الدين والسياسة، والغريب أنني استمعت لمحدث يخطب بصوت عال في الجامع، وكان ذلك خطيرا لأنه كان يدجن الرجال ويحذرهم من ذهاب نسائهم إلى العمل والشارع الذي يمرون منه و كيد النساء وووو.
لا أتخيل أنني ينبغي أن أعيش كما اتفق، ولا أتخيل أن الوطن يرضى بالزج بالنساء في هذا القعر المظلم باسم الدين ، في حين يبدو الأمر سياسة فقط، ولا أتصور أن القائمين بالتحرش وسلب النساء يفهمون في الدين أو السياسة، بل هم القطيع التابع دون أن يدري ما يفعله، وهم نتاج ما تراكم  من غابر الأزمنة، ولا أتصور أن الكل أصبح وصيا شرعيا على جسد المرأة وكأنها كما يقول جدي « مرات الرجالة ». يبدو أن النساء هن ملك الرجال في كل الأزمنة، وإلا لما أصبحنا نرى هذا الازدحام في تطاول الأيدي على النساء وكأنهن ضمن ميراث وطني خلفته قرون بائدة. أريد أن أشرب قهوتي في الصباح وأن لا أفكر في الآخرين كثيرا، فالشارع ملك لنا جميعا، ولا وصاية لأحد عليه ولا علينا نحن أيضا.
 أريد أن أشعر بأنني حرة.
لطيفة لبصير (صدر بمجلة نساء)

تعليقات

تعليق