آراء

لطيفة لبصير تكتب : أرواح يستعيدها التاريخ

latifa lbsir
Avatar
تأليف nissaa

 

حين نتأمل حيوات الكثير من الشعراء الذين تركوا أثرا ونفحات شعرية في العالم، نجد وراءها الكثير من الأسرار والمشاعر الملتبسة، ويمثل الشاعر الإسباني فرديريكو غارسيا لوركا، أبرز هؤلاء الشعراء، لما حيكت حول وفاته الكثير من القصص والحبكات الدرامية التي صنعت أسطورته، وخلدت أشعاره الجميلة .

تناقلت العديد من وسائل التواصل الاجتماعي صورة لرجل خمسيني وهو يعدم بالرصاص محدقا في معدميه بقوة وبابتسامة عريضة، رافعا يده إلى السماء وكأنه يلقي أشعاره على الملأ، وقد زعم الكثير أن الصورة هي للشاعر غارسيا لوركا، ووضعوا تحت الصورة مقطعا من مسرحية للشاعر. غير أن المتأمل للصورة على هيبتها وشحنتها العاطفية، يدرك أن الصورة هي لرجل آخر، لأن لوركا حين أعدم كان في الثلاثينات من عمره، وصوره متداولة.

 وإذا تأملنا مثل هذه الحبكات نجد أن السبب هو عاطفي بالدرجة الأولى، فالكثير من الناس تعاطفوا مع غارسيا لوركا في إعدامه بسبب الحرب الأهلية الاسبانية ونشاطه السياسي، أو بالأحرى بسبب لغز موته، لأن التباس مقتله يرده البعض أيضا إلى حبكة مدبرة للتخلص منه وريثا لأراضي كثيرة إلى غيرها. لكن المغزى هي أن حياة لوركا كانت مدعاة للتأمل، إذ خلقت منه الشاعر الشفاف الذي يتأثر بالكثير من المشاعر، ولا عجب حين نجد بأن ملهمته في الشعر كانت شخصية تاريخية لم يلتقها لوركا أبدا، ولكنه استلهمها في أشعاره وجعل منها بطلة لمسرحياته ورمزا يتكرر بالحكمة والحب والحرية.

لم تكن هذه السيدة سوى ماريانا بينيدا، التي ألهمت مسرحياته وأشعاره، والتي أعدمت وهي في العشرينات من عمرها بسبب دفاعها عن حبيبها، وعدم اعترافها على الأشخاص الذين تورطوا بشأن سياسي، كانت هذه الشخصية مغذية للمخيال الشعبي، كما أنها استوطنت روح الشاعر وصارت مثل الضوء الذي يتتبعه في نشدان الحرية والتضحية والجمال. بل إنه كتب يقول إنها استوطنته وكأنه يعشقها دون أن تجمعهما أقدار مشتركة، ومن الغريب أيضا ضمن هذه القصة، أن الشاعر سيلاقي نفس المصير ويعدم في وقت مبكر، وكأن الغد يكتب نفسه عبر أناس آخرين يستوطنون الإبداع والحياة.

وإذا تأملنا الذي يحدث في مثل هذه الميول للمبدعين اتجاه شخصيات بعينها دون سواها، ندرك أن هذه الميول هي اضطرارية. ذلك أن النفس تختار أشخاصا دون سواها حتى لو لم تلتقيها، لأن الأرواح تتجاذب فيما بينها، والكثير من الشعراء والمبدعين عشقوا شخصيات مرت في التاريخ، كان لها صدى كبير في إبداعهم أكثر من مجايليهم ، ووحده الغموض هو الذي يفسر هذا التلاقي، إذ أن هناك تواترا نفسيا شفافا هو الذي يحكم هذا الميل ويولده، ولذا كانت هذه الشخصية مثل طاقة نور تتكرر في أشعاره رغم أن عمرها كان يشبه عمر فراشة احترقت في دقائق معدودة، يقول الشاعر في مسرحية ماريانا بينيدا على لسان أحد أبطاله، وهي نفس الجملة التي تتكرر مع الصورة التي أنشأها المخيال الجماعي لمقتل لوركا كي يغذي نفحة الأسطورة، وكي يتزايد العشق في هذا الشخص:

ماريانا أي شأن للإنسان بلا حرية

كيف لي أن أحبك إن لم أكن حرا؟ أخبريني !

كيف لي أن أهبك هذا القلب المتين لو لم يكن قلبي؟

لا شيء يستطيع أن يفسر عودة الكثير من الأرواح في الحياة أيضا، فالكثير من الأشخاص الذين عبروا في الحياة ألهمونا رغم أننا لم نلتقهم أبدا، لكنهم كانوا مثل نور جارح نستمع إلى القصص التي كتبت عنهم ونبحث عن صورهم وطرق عيشهم ورؤيتهم للحياة والحرية، ومنهم الشاعر نفسه غارسيا لوركا وجمال روحه، ولا شيء أقسى من أشعاره التي تنبأت بالوداع المبكر:

إذا مت

دعوا الشرفة مفتوحة…

 

تعليقات

تعليق