آراء أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب ..الابداع من زهرة الشر ..!                                                

latifa lbsir
Avatar
تأليف nissaa

كثيرة هي الأزهار التي تعبق بروائحها قبل أن تذبل، لكن ما أن يجف ماؤها حتى تتحول إلى أشواك تخزنا، فلا نراها إلا وهي تبعث الشر والألم… ولكن، كم حول العديد من المبدعين هذه الأزهار الشريرة إلى ماء للحياة، وجعلوها بلون آخر وبرائحة أكثر عبقا! إذ في تاريخ الإبداع تتعدد أشكال الحياة التي نبعت من الموت. كم أعادت الرسامة  المكسيكية الشهيرة فريدا كاهلو برسوماتها جسدها الميت إلى الحياة. كانت ترسم وجهها الذي يغادر العالم كي تستعيده للبقاء وللرسوخ في تاريخ ذاكرتها وذاكرة الآخرين، فجعلته يخلد في روح الإبداع بينما كان الجسد المنهك يتوارى بالتدريج، وكان منزلها الأزرق يستبدل الواقع بالخيال المبهج.

حين نفكر في هذا الإبداع الذي يأتي من الألم ، نجده أقوى ؛ لأنه يأتي من الفقد العزيز للطمأنينة. لذا, فحين يتحول إلى أزهار أخرى طيبة, فهي تخلد الرائحة الجميلة التي, كالخمر, كلما تقادمت تعتقت وأصبحت ماء لوجه الحياة, فكم رممت الإبداعات جدارات الموت وأحالته إلى أشكال لا تنتهي من عبق الفن, و كم نسجت بعض النساء العديد من الزرابي بألوان زاهية وهن يذرفن الدمع على عزيز ، ويهللن مزغردات بالفرح من ولادة الجديد ، وكم رتقن صوفا متلاشيا ليصبح معطفا يلف الحياة الإبداع يمتص الأحزان ويعدم الأشجان بل ويحولها إلى ميلاد صغير لحياة جديدة, هكذا رأيت العديد من النساء يبدعن دون أن يدركن أنهن يفتحن أبوابا أخرى بأناملهن التي تجود دون أن تسأل …

في إحدى الأمسيات الحميمية التي جالست فيها بعض النساء وهن يتحدثن عن زمن الشر الذي يداهم دون أن يشعر, رأيت أنامل أنبتت مخالب للقبض على الفقد اللعين وهو يرتشف أجمل الكؤوس. كانت إحداهن تحدثنا كيف قطفت زهرة الشر ابنها وهو في ليلة زفافه, وكيف أرضعت هذا اللبن ألم الكتابة, وكأنها تزرع فيه أغصانا جديدة, أخبرتها بأن اليد التي تتعقب الذاهب وتعيده للإبداع كي تجسده, إنما هي مثل اليد التي تعيده للحياة عبر رسم الكلمات والقول والحديث باللسان وكأنها تطرد الحزن إلى الأبد …

مثل تلك الأزهار لا تتوقف عن الركض ، لأنها تتغذى من القطاف ، إنها كمن يستبيح دم الآخرين لتحيا ، ولكي نمتنننا وتسألني زهرة: أنا لا أرغب أن أكتب عن هذا الرجل الذي تركني بعد زمن يتعدى عشرين عاما! غادر دون سابق إنذار!

أخبرتها أن أزهار الشر تبعث أعشابا أخرى ، ولو من زمن بعيد. لعله اختار أن يجمد حسابه الحياتي لينطلق نحو صورة أخرى ، ليس بالضرورة أنها أبهى! وأنت تختارين حياة أخرى, لا تترددي في إبداع ما عبر, حتى لو كان زمنا منبوذا يرتدي قبعات بالية ويغادر, فأزهار الشر تهبك الحياة, كلما حولتها إلى زمن للحياة, وهي تهب الموت كلما ارتدينا ثوبه الأبيض الحزين … إننا نغير الشر حسب مزاج استعمالنا له ولقاموسه ، فالشر ، أحيانا ، هو من يبذر الخير ، وينفخ فيه الحياة.

ألم يبحث الشاعر الفرنسي شارل بودلير من خلال « أزهار الشر » عما يحول الألم إلى قاموس للحياة الأخرى ، فصارت نا ا ش ش ش ش ش كان يصرخ مناديا صحن الألم: * أيها الألم … إن الزمن يبلي الحياة *.

في تلك الجلسة العذبة لنساء اخترن الحديث عن المرض اللعين بالكثير من الأصابع التي تروض الألم ، كن يروضنه بالعمل الدؤوبا ء كن يبدعن بكل اللمسات الصعبة, كمن يعدمن رسائل الصمت والعدم والنهاية برسم البداية والحياة, كن يتضاحكن على شعورهن التي تساقطت بفعل العلاج الكيماوي وكأن ذلك لا يطال حظهن من الأنوثة والجمال والحب …

فكرت في هذه الأزهار الشريرة ، كم أحالت أجسادا كثيرة إلى خراب ، وكم انسحب العديد من المبدعين والمتألمين في ر إ ى ك وأفكر في العديد من الناس الذين حولوا هذه المساحات إلى أياد جميلة وكريمة لا تنفك تمنح دون هوادة .. مثل سيدة حولت ألم قتل عائلتها في لحظة إرهابية عدمية إلى جمعيات ضد الإرهاب, أو سيدات حولن عذاب فقدان أبنائهن بمرض الايدز إلى جمعيات لمكافحة المرض والانتكاس أو سيدة حولت شلل قدميها إلى أقدام أخرى تعدو بلا نهاية وترسم الأمل …

أزهار الشر التي تعبر تتلقح إذا ما صادفت إبرا حادة تسري في الجسم لتزرع في خلاياه قسوة أخرى من الحياة. أفكر في تعب كل النساء اللواتي يحترقن في الحقول بأشعة شمس عمودية, اللواتي يلدن على أعتاب المنازل الباردة, اللواتي يعملن بلا انقطاع في معامل مغلقة وضيقة, اللواتي وهبن حيواتهن لأطفالهن في نوع من نكران الذات نادر وعظيم … اللواتي لم يسألن في رغبة أو عشق , أو حنان هو من حقهن, اللواتي لم ينتحبن إلا في صمت, اللواتي مسحن دموعهن وابتسمن ابتسامات عريضة للآخرين, أفكر فيهن وهن يشعلن نيرانا صغيرة من أجل مساء حان وحساء دافئ …

الإبداع من زهرة الشر هو الحياة التي نهبها للأشياء والذكريات والآخرين والمفقودين وكل الذين رحلوا رغما عنهم … هو ما نخطه بأذرعنا وما تبقى فينا من حياة, هو الزمن الذي لا يمحوه تاريخ الفرد سواء عبر الكتابة أوعبر الجسد. إنه زهرة الحب التي تنبع من آبار الشر ، لكنها تمضي أريجا إلى الحياة …

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup

تعليقات

تعليق