آراء أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب  » ترويض النمرة »

latifa lbsir
Avatar
تأليف nissaa

أثار كتاب « ترويض الزوجات » لفوزي شعبان ضجيجا على مستوى الاعلام حين تم عرضه في معرض الدار البيضاء. وبالرغم من أن الكتاب قد صدر منذ سنوات الا أنه لم يتم الالتفات اليه الا مؤخرا.

يتحدث الكتاب عن ترويض زوجات الرسل والسلوك الذي انتهجوه لترويض النساء بالضرب أو التربية الى غيرها للمحافظة على نظام الأسرة.

تبدو لفظة الترويض في حد ذاتها لفظة شائكة، فهي ترتبط بالحيوان أكثر من الانسان وهي فكرة مستقرة زمنيا في الأدب الشعبي وتكررت عبر الأجيال حتى أصبحت كامنة في الحياة اليومية.

حين نستعيد المسرحية الشهيرة لشكسبير »ترويض النمرة »، نعرف أن الفكرة هي مستقاة أيضا من المجتمع، فهي لم تكن غريبة عنه، بل انها ألهمت العديد من الكتاب والشعراء، وأصبحت مدار اهتمام الكثيرين وأمتعت العديد من المشاهدين. وبالرغم ما لفكرة الترويض من عدم قبول في الأدب عموما، اذ كما قلت؛هي لفظة تبدو حيوانية، الا أنها في مسرحية شكسبير اتخذت معنى آخر، وهي تحكي عن ابنة التاجر التي قد تعرضت لصدمة عاطفية جعلتها تنفر من جنس الرجال، اضافة الى كونها قدمت من أسرة ثرية ، وهذا عمل على تميزها بالعجرفة واحتقار الآخرين الى أن تزوجها رجل بطرقه الخاصة وأخذ يروضها دون أن يلمسها، وذلك بأن نقلها من الشراسة الى الوداعة، وكأنه أيقظ كل الرقة الكامنة بداخلها، وهذا هو بيت القصيد من هذا العمل الجبار؛ ولا أظن أن الأمر يصدق على المرأة فقط، بل على الانسان عموما. فالعديد من الرجال هم ضحايا نوبات متكررة من الهزائم الداخلية التي جعلت سلوكهم يبدو سلوكا انتقاميا محضا، وكأنهم يثأرون من الجنس الآخر، وهذا جعل النوبات المتوترة بين الجنسين وكأنها نزاع أبدي فوق أرض غير آمنة.

حين تصدر كتب مثل كتب الترويض بالمعنى السلبي، وكأن المرأة كائن ناقص ينبغي أن يعامل بالعصا والهجر والغلظة فاننا نعود سنوات الى الخلف، وكأننا نستعيد ما نعيشه من الحكايات اللقيطة التي تسير الكلام الشعبي وتهيمن على لغاتنا اليومية ، ولكننا حين نقرأ أدبا يضج بالمتعة والدوران والحيل والتراوح بين الرقة والعنف الصامت، فان الابداع يصبح ممتعا ويكون خالقا للانسان فيها، فالرؤية تختلف، لأننا نقول للآخر بأن الوداعة والمحبة هي كامنة بداخل كل كائن غير أنها تنتظر من يوقظ فتنتها بأساليب فنية هي التي تشعل الرغبة والحب والجنس في حد ذاته.

إن فكرة الترويض في اللحظات الحميمية يصير لها معنى آخر، ذلك أن  الحب بني على العنف اللفظي والجسدي الجميل،  والابداع هو سيد الجمال حين يمنح للناظر او القارىء مشاهد تتنازع فيها أصوات مختلفة عاشت سيرورة  خاصة من العاطفة وتجاذبت في الأخير لتخلق ذلك النتاج المشتهى الذي يملي أعنف ما ترغبه الانسانية جمعاء.

يبدو التنازع بين الأرواح والأجساد أزليا، فهو ذلك النزاع الذي يستعاد عبر الزمن، غير أن اللعبة التي تشعله هي دائرة لا تنفك تلد الرغبة والمنع، وبداخلهما تتوقد الشهوات التي تصل بالجنسين الى أقصى الالتحام، ضمن دائرة الترويض ذات الفعل الايجابي؛ فما يجمع العالمين معا هو ذلك الفحش الذي يتبادله الطرفان أمام موقد ناري خارج الاطار والقوانين التقليدية للهوى، وبذلك لا مجال لكل هذا الضجيج الذي أرخته الكتب التي تعيدنا سنوات ضوئية الى الوراء.

أستمع كثيرا لكل المكائد والأوراق التي تمزق بين الجنسين والصراعات التي لا تنتهي، وأنتظر أن تكون نشوة النزاع محطة تؤول الى عنف أكبر في العشق والهوى، لا أن تمتلىء محاكمنا بأوراق الطلاق وتقسيم الأطفال وقتل المشاعر، فيبدو فعل الاجتماع بين الجنسين وكأنه فعل غير بهيج أو نزاع سلبي تنكمش معه كل الرغبات…

الترويض الحقيقي هو تحايل على الصمت الذي يكبر دون أن ندري، وهو حرب يومية بأشكال جديدة من المتع التي تتجدد في كل لحظة ، وكأني بأبيقور يعيد نقش كلماته الى الآن:

« تمتع بالملذات ما دمت حيا، فكل ما عداها هراء »…

تعليقات

تعليق