آراء أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب خوف لونه أحمر

تأليف nissaa

قبل سنوات قرأت رواية « العمى » للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو، كانت الرواية من الإثارة إلى حدود التلف والانبهار. تحكي الرواية عن تفشى وباء العمى بين الناس بحيث أصبح ينتقل من شخص إلى آخر، وتغير العالم.

لم يكن هذا فقط هو المثير في القراءة، فقد شعرت وأنا أقرأ الرواية بألم بدأ يداهم عيني، وكلما تقدمت في قراءة الرواية، سيطر علي الشعور ذاته بالخوف من فقدان حاسة من أهم الحواس لدى البشر.

حينما أستعيد الفكرة الآن، أشعر بأن تداعيات ما حدث لي أثناء القراءة هو هاجس الخوف الذي تنامى مع مفردات يكررها الروائي في كل حين حتى جعل الهاجس يكبر. فالألم الذي أحسست به جسيما في عيني، كان ألما نفسيا لا غير.

يبدو الخوف من الشيء أكبر من الحدث ذاته، فحين كبر وباء كورونا وأغلق المنافذ والأبواب وأقحم الناس في مفردات جديدة على قاموسهم اليومي، صار العزل المنزلي والحجر الصحي والتعقيم والكمامة واللقاح والجرعة الأولى والثانية والثالثة والموجات التي يتحدث عنها الإعلام، واحصائيات اليومي في معدل الوفيات، هي الحياة الأخرى. كان جل من أعرفهم يتحدثون عن الوفيات تحديدا أكثر من عدد الإصابات، فقد كانوا يتأثرون بالرقم الصادم في كل يوم ولكن ليس أسفا على أناس توقفوا عن الحياة، بل خوفا على ذواتهم. فلطالما وجد الموت في الحياة اليومية، لكنه كان يمر دون إحصاء ودون تأثير أيضا، لأنه موت يخص أفرادا لا يعانون من نفس المرض الذي يصيب البشرية.

يبدو الخوف من الموت قائما، لكنه في الوباء أصبح له الهاجس النفسي ذاته الذي أصاب أبطال رواية العمى، لأنه ينذر بخبطة عشواء يمكن أن تصيب كل الأفراد، فهي لم تعد تخص الآخرين فقط، بل تخصنا نحن أيضا، ونحن في قاعات الانتظار.

كثيرون هم من أصيبوا بالخوف من الوباء إلى حدود أن حالات كثيرة لم تكن بتلك الصعوبة التي تقود إلى الموت، ومع ذلك أسلم أصحابها الروح بدافع هاجس الموت وكثرة الألفاظ والقصص التي تنتشر في كل يوم وتتداعى إلى أن تصبح أكثر من شبح كوورنا.

عادت رواية العمى إلى الظهور والقراءة أثناء جائحة كورونا، فقد كانت النص الذي يتحدث عن أوبئة غير موجودة، لكنها مع ذلك تدعونا للتأمل فيما إذا كانت مثل هذه الأوبئة ذات المنحى السيكولوجي العنيف ستحدث، ومن ثم نسأل أنفسنا: ماذا لو حل وباء مثل هذا النوع؟

يبدو الهاجس النفسي الشائك أصعب بكثير مما يحدث في الواقع، وفي الأوبئة والحروب يكبر الحاجز النفسي ويصبح مثل جدار يعزل الأفراد داخل أنفسهم، وتطفو الكثير من الألفاظ السوداوية على السطح. لذا ينجو فقط هؤلاء الذين يأملون في كل يوم بغد أفضل، وهذا يصعب أمام ما تتناقله وسائل الاعلام والأخبار في كل يوم، وحتى الشائعات التي تكبر إلى حدود أنها هي مفتاح كل إطلالة صباح.

تدعونا العديد من نصوص الأدب إلى تأمل الوباء بشتى أصنافه، بحيث نجد أن الخوف حين يصبح جماعيا يكون أكثر تأثيرا على الأفراد. في حين يقل الإحساس بالخوف كلما كانت الوفاة ذات أسباب أخرى، ولذا كانت الغرابة تكمن حين نسمع أن سبب الوفاة لم تكن لحسن الحظ ناتجة عن وباء كورونا وإنما لمرض آخر، وهي لمفارقة غريبة فعلا !

أستعيد رواية العمى وأشعر بأن الإحساس بالرهاب والخوف يمكن أن يتخلق أيضا من الحديث المستمر عن الحالات والأعراض والمفاجآت، ولعل استمرار الوباء وتداعياته هو ما أنبت كل هذه المخاوف التي ينبغي أن نعيشها بمراوغة، فالموت كان حاضرا على الدوام وسيدوم إلى الأبد، ولكأني أسمع من جديد البيت الشعري الشهير لطرفة بن العبد:

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى            لكالطول المرخى وثنياه في اليد

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق