أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب  ذوق في مهب الريح !

latifa lbsir
Avatar
تأليف nissaa

استمعت خلال هذه الأيام لأغنية حديثة تذاع على النت، بصورة أثارت دهشتي، اذ لطالما اعتبرت نفسي من جيل آخر يواكب الجديد ويستمع الى الغريب عن سماعه، لكن هذه الكلمات فاقت الوصف، فالشابة التي تغني تتلفظ بكلمات سوقية، لا مجال لذكرها ، مرددة بصوت مسموع: « بغيت نفتخ جوان ».

في كل يوم أستمع الى العديد من الأغاني على الاذاعة وأستغرب الحجم الهائل من الكلمات التي لا تربط بين بعضها أية علاقة ، حيث يبدو من خلال هذا الكلام أن لا شاعر في البلد يستطيع أن ينظم الشعر، ومعرفتي بالزجالين هي جيدة ؛ خاصة في بلدنا الحبيب، بل أعرف الكثير من القصائد الجميلة التي يمكن أن يمكن ان تنتقل الى الأغنية والتي تحمل سموا في الكلمات والتعابير.

يبدو الأمر كما لو أنه تواطؤ ضمني بين الاذاعة والتلفزيون والنت، فالكل يصر على أن الفن هو هذا الشكل الذي أصبحنا نستمع اليه، كلمات مهترئة تتراوح بين فرنسية ولهجة مشردة لا عائلة لها، وكأن المعجم اللقيط هو الذي يصنع هذا الكم الهائل من الأغاني، فما أصعب أن يردد طفلي كل يوم: histoire ديالي مكتوبة في الحفاري »… !،بل الأسوأ منه أن أجد نفسي بلاشعور مني أعيد بعض الكلمات نفسها التي أختلف معها اختلافا جذريا، ذلك أن كل الأجهزة التي نستمع اليها هي التي تسيرنا دون أن ندري وتوجهنا الى هذا السماع وكأنها تقول لنا: هذا هو الفن !

لا يختلف اثنان أن هجوم هذا النوع من الأغاني على البلد ليس فعلا بريئا، فهو نظام مخطط ينشر علينا الرداءة بكل تفاصيلها وعلينا أن نقبلها، لأنها هي التي تبدو ضوءا ينير دروب أطفالنا، فحين تحصد هذه الأغاني أكبر اللايكات في اليوتوب وعلى الفايسبوك وتصير لها ضجة في الاستماع وترددها الاذاعات فهي قدوة ونموذج ينبغي أن يحتدى لدى كل الأجيال، ولا عجب حين نشهد أبناءنا وهم يرون في ذلك الطريق الذي ينبغي أن يسيروا على نهجه، لانه الطريق الأجمل.

الفن هو الجمال والسماع، هو جزء من الابداع والحياة، لكنه حين يصبح بهذه الصورة، فهو لا يعلي من الفن، ولكنه يعبد الطريق للتفاهة والنشاز أن تصير هي المثال، وكأننا أمام مخطط يدمر كل ذوق جمالي يجعلنا نمضي الى الأعلى ، وعليه فان أبناءنا لا يرون في ذلك سوى السهولة التي يصبح بها الانسان مطربا يغرد فوق السحاب، ويمتلك النقود والمعجبين والحساب في البنك، وتبدو طرقنا في حثهم على المعرفة معا أو الجمال الفني طريقا بعيدة الأجل لما يعتريها من مسافة طويلة ينبغي عليهم قطعها، في حين تمثل نماذج الكوكوت السريعة التي يرونها هي الأسهل في الاقتداء والتمثل.

في بلدان العالم، هناك هجمة لصناعة النجوم بسرعة خيالية، فالعالم بأسره يرغب في أن يصبح أبناؤه نجوما بين عشية وضحاها، لذا يبدو الغناء والطرب هو الأقرب لتحقيق هذه الرغبة، وتتراجع المعرفة لأنها لا تملك يدا بين كل هذه الأيادي، انها مثل اليد المبتورة التي تخجل من أن يراها الآخرون، ولذا لا أحد هناك كي يجيب على السؤال الذي يردده المستجوبون كل يوم: لماذا لا نقرأ؟ ما أسباب تراجع القراءة؟

لا تغامر الوسائل السمعية البصرية في خوض غمار حقيقي لاكتشاف نابغة في الكتابة والابداع عموما، فهي لا تفكر في مثل هذه البرامج، التي يمكن أن ترفع من نسبة المعرفة والابداع، والتي تكون قوية لدى الاستماع، بحيث يشعر أبناؤنا أنهم سيصبحون مشاهير أيضا في المعرفة، بل على العكس تماما، تجعل الكتب في المراحل الأخيرة من البرمجة، كأن تتحدث عن بعض الكتب اليتيمة وكأنها توضع في أسفل الاهتمامات كي تظل في مكانها الباهت الذي لا يراه أحد .

الفن الحقيقي يدوم، كذلك المعرفة الحقيقية تستمر رغم انتشار وباء السرعة في الشهرة بفضل الوسائل التي تختصر المسافة الكاذبة ذات البريق، ولكي نصل الى الفن الحقيقي والمعرفة الأصيلة، على هذا الضجيج الذي اكتسحنا بدون أصول، أن يتراجع قليلا الى الخلف لأن انقراضه يبدو مستحيلا…

تعليقات

تعليق