آراء أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب : هل نعيش في مواقع التواصل الاجتماعي؟

تأليف nissaa

في الزمن الذي نعيشه الآن، غذت مواقع التواصل الاجتماعي جزءا من الحياة اليومية؛ فلا يكاد يمر يوم دون أن نتصفح صفحات المواقع

ونطمئن على تويتر ونشاكس في الفايسبوك ونهدهد صورنا في الانستجرام، حتى أنني أسأل نفسي في كثير من الأحيان: هل أصبنا بادمان ما قد نلجأ معه في مقبل الأيام إلى طبيب نفساني ضليع لنسأله عن علاج لهذه الإقامة شبه الأبدية في مواقع التواصل الاجتماعي، والغريب أن العديد من هؤلاء  الأطباء أنفسهم يقيمون إقامة طيبة على هذه المواقع ويخبروننا بتفاصيل حياتهم اليومية وكلابهم وسكناهم والأماكن التي يرتادونها والألبسة التي يشترونها.

ويرى الكثيرون من مرتادي التواصل الاجتماعي بكثير من الريبة والشك والانتقاد والغرابة الأشخاص الذين لا يرتادون هذه المواقع، فبالنسبة إليهم هم الذين في حاجة إلى علاج لعدم الدخول إلى هذه الشاشات اليومية التي تربطنا بالعالم، والأكثر غرابة أيضا هو حين حصل الأديب عبد الرزاق قرنح على جائزة نوبل للآداب فأثار الاستغراب بعدد متابعيه الذين لا يتجاوزون المائة، بل إن الكثير من القراء والنقاد لا يعرفون الأديب ولم يسمعوا به من قبل وهو موضوع يفرض ذاته، إذ إن الكثير من المبدعين قد أصبحوا رائدين ولهم باع طويل على هذه المواقع رغم تواضع ما يبدعون، والأكثر من ذلك أن هناك أشخاص ليس لهم أي حضور فعلي في أي موهبة ما سوى أنهم يتواصلون بشكل يومي مع الناس عبر اللايف وكأنهم يوجهون الناس بطرقهم الخاصة، فأصبحوا بين عشية وضحاها من المؤثرين الفاعلين في المجتمع وذاع صيتهم ليصبح لهم إطار خاص له مداخيل يومية ولهم آراء في كل ما يحدث بشكل مستمر.

إننا في زمن تحولت فيه الكثير من العادات اليومية، فلا يمكن أن نغض الطرف عن كل هذه الأماكن التي تحملنا إلى ما يضج به العالم من أخبار وترفيهات وتناقضات ونبض ومشاهد تحدث في كل الدقائق وترهات وسفسطات وصور وفيديوهات مبتورة وأخرى علمية  وغير علمية وكل ذلك أصبح له حضور يتصدر نشرات الأخبار، بل إنه أصبح أساسيا فيها ويتم العودة إليه كنوع من حياة أخرى استوطنتنا بشكل ما لتصبح هي المسير لحياتنا اليومية.

من الغريب أيضا أننا نعرف أشخاصا منذ سنوات طوال على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم كائنات أخرى تمر إلينا عبر سيل من الصور والمشاهد والحياة المتناسلة، حتى أننا نرتبط بهم في تلك الحياة الأخرى وأحيانا نلتقيهم في الواقع ونفضل عدم تبادل التحية معهم لا لشيء إلا للحفاظ عليهم في ذلك المشهد الآخر الذي تنامى بفعل السنين إلى أن يصبح شبكة أخرى للعين والرؤية والتواصل البعيد، ولهذا السبب تحديدا نحن نعيش معهم رقميا بشكل أفضل مما نعيش معهم واقعيا.

يبدو الأمر كما لو أننا سقطنا في وادي عميق لكن لا أحد يريد الخروج منه، فحين تعثرت هذه المواقع وأغلقت لفترة وجيزة جدا، شعر المرتادون كما لو أنهم في حاجة إلى حقن خاصة لادمانهم، وتوتر الكثير من الناس… ذلك لأن هناك فضاء خاص تتلاقح فيه الأصوات وتغرد وتنفس عن ذاتها في تلك القارة التي تجنح إلى الخيال في كثير من الأحلام. فالعديد من الهواجس اللاواعية تجد ضالتها في هذا الحضن، بل إن هذه المواقع كانت المرتع الخصب للكثير من المتاعب النفسية التي أحدثها الوباء، والتي حين أغلقت جميع النوافذ، فتحت المواقع نوافذها كي يحدثنا كل شخص عما يفعل في ظل الحجر الصحي، ورأينا الكثير من الصور والمشاهد وقرأنا الكثير من تفاصيل الحياة اليومية التي غذت مرعبة ونمنا على أحزان لا تنتهي حين كثر العزاء في كل الدقائق..

 

نحن نعيش اليوم في ظل مواقع التواصل الاجتماعي أردنا أم لم نرد، حتى الأصدقاء الذين نعرف أنهم لا يريدون أن يظهروا للعلن، يتخفون وراء أسماء مستعارة ويتلصصون على كل ما يحدث في تلك الشاشة النفسية الأخرى التي هي في الأخير ذلك المشهد الآخر.

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق