آراء أخبار الساعة

لطيفة لبصير تكتب :يوميات الشاعرة سلفيا بلاث…

latifa lbsir
Avatar
تأليف nissaa

تبدو يوميات الشاعرة الأمريكية سلفيا بلاث من أغرب الأعمال على الإطلاق، فهي نوع من الاعتراف الذي نادرا ما نجد كاتبة تقوم به، بسبب الخوف من الآخر ورؤيته لها، لكنها كانت أكثر حدة في اعترافها بحياتها الجنسية مع العديد من الشبان خلال حياتها القصيرة. فقد انتحرت سلفيا وهي في سن الثلاثين، بعد أن ارتبط زوجها الشاعر البريطاني تيد هزيود بعشيقة أخرى تاركا إياها مع طفليها.

لم تكن حياة سلفيا بالحياة الهانئة، ويبدو أن العديد من النساء اللواتي تشغلهن الكتابة والأبداع بنوع من الرغبة المستعرة لكسر قيود العالم، يكن كذلك، فارتباكها كان نابعا من طفولتها الأولى، وكان اندفاعها للشعر والكتابة مرده نوازع وجودية قبل كل شيء، هي التي فقدت أباها في سن مبكرة وشعرت بأن العدم هو سؤال كبير وقع على رأسها كشيء غامض من المستحيل البث فيه، إلى أن عشقت عشقا جنونيا الشاعر البريطاني تيد هزيود وتزوجته ووجدت فيه البديل لغياب الأب والاحساس بالجمال والبهجة، لكن حياتها الزوجية لم تكن بالشيء الهين، فقد كان الشاعر مهتما بأشعاره وجولاته الشعرية تاركا إياها منغمسة في تربية الأطفال وتأجيل الكتابة بعد حين، غير آبه بها كشخص له أحلامه الخاصة والغامضة في آن، ومع ذلك كانت تكتب لأنها كانت تشعر أنها الملاذ الوحيد لارتباكها النفسي العميق.
تبدو ردود أفعال العديد من المبدعات تجاه هذا الإحساس متشابها، فالعديد من الرجال لا يأبهون باستقلالية المبدعة هي أيضا في اختيار الأمكنة والأزمنة وفي التفرد أيضا بعالمها الخاص، بل تصبح مع الأيام جزءا من المملكة، ولذا تنشأ كراهية العديد من النساء لأوضاعهن، نساء من باب ثقل ما تحمله المرأة من تبعات كثيرة. فهي بحكم أمومتها أو أنوثتها منذورة للخضوع لما تقتضيه طقوس النساء؛ ولذا، ففي حياة المبدعات يكون هناك رفض هذه الأوضاع أكبر من النساء العاديات اللواتي يتحملن أكثر، ويعتبرن كل توابل الحياة الزوجية مصدر فخر واعتزاز رغم كل ما يتحملنه من قسوة.
في يوميات سلفيا بلاث والشيء الذي نجده لدى نوال السعداوي أيضا، ينشأ رفض لوضع وجود امرأة وتبدأ الرغبة في الاستحواذ على ما يملكه الرجل من حرية في الحياة والجنس الذي بدون تبعات أخلاقية ذلك الجسر المشتهى لأناها الخاصة، لذا نجد قوة سلفيا في رفضها حيوات الفتيات بهذا الشكل المتكرر الساذج، تقول في يومياتها:
« أكره أن أكون فتاة، لأن هذا يفرض علي إدراك أنني لا يمكن أن أكون رجلا. بتعبير آخر…محبطة؟ أجل. لماذا؟ من المستحيل بالنسبة إلي أن أكون إلها- أو رجلا- امرأة شاملا- أو شيئا من هذا القبيل ».
تبدو الرغبة لدى العديد من المبدعات أن يصبحن رجالا، ولكن ليس بالمعنى الحرفي للكلمة، بل الأمر تتنازعه رغبات أخرى مستترة تكمن في أن المرأة تشعر بتحرر الرجال من أعباء الحياة الزوجية بنوع من التسلل الذي ييسر لهم حيواتهم تاركين النساء منزلقات في هذه المهمة باعتبارها حياتهم الخاصة، ولذا، ففي كثير من الأحيان حين نقرأ إبداعات العديد من النساء نشعر بنوع من التمزق والانتقال من مكان إلى مكان في التعبير، كونهن لا يعشن أوضاعا مسترسلة في الإبداع، فهن تداهمهن حياة يومية تقفز على عالم الابداع وتأكل ترتيبه الخاص.
أنجزت سلفيا بلاث العديد من الأعمال التي جسدت العالم الخفي للأنا التي تعشق وتعيش نشوتها الجنسية، وارتباك أسئلة الجسد ومغامراتها العاطفية، وخوفها في بعض الأحيان من النتائج السلبية للعشق وإحساسها النابع من كونها امرأة، الذي يقف حائلا أمام نزوعها وانعتاق جرحها الدفين الذي خلفته التربية الأولى، و تعيشه معظم النساء ويغرقن في حباله حتى النهاية.

تعليقات

تعليق

fdm-popup-44

تعليقات

تعليق