عائلة

ما هكذا تورد الإبل يا سعد

famille
تأليف fatine

يكاد يكون غياب الحوار في العلاقات أساس كل الإعاقات في العلاقة فغياب التواصل يخلق اعتقادات كثيرة، واعتماد تواصل غير مبني يؤدي إلى الهاوية ومزيدا من القطيعة والتنافر.

باءت العلاقة بين الأباء والأبناء من العلاقات الشائكة التي صارت تحتاج العديد من المهارات لإنجاحها، بعدما كانت تقليدا، ففي ما مضى كان الأباء ينشؤون على ما وجد عليهم آباءهم من طاعة وولاء لأبويهما، فتكون كلمة الأبوين الكلمة الأولى والأخيرة ولهم الحرية الكاملة في تسيير حياة أفراد عائلتهم، ويقبل الأبناء ذلك برضى تام ودون مخالفة خوفا من عقوق الوالدين وطمعا في نيل رضاهما، فرضا الله من رضا الوالدين، وقليلة جدا المشاكل التي تثار بين الأباء والأبناء، وإذا ما كانت حملت للإبن كل الأخطاء إلى أن يعدل عنها أو يبقى عاقا فيشيع ذلك في وسطه.
علاقة مبنية على الطاعة والإحترام والرغبة في الرضى هكذا كانت العلاقة بالوالدين، ونجد كثيرا من هذا يتمثل في تقبيل اليد والرأس وخفض الرأس والصوت أثناء الحديث معهم والإستقامة في الجلوس وحتى الوقوف، وكانت هذه العلاقة الأفقية سالمة من العديد من المشاكل التي يشهدها هذا الجيل سواء من الأباء أو الأبناء. رغم ما يروج من أساليب كسب الأبناء والتقرب منهم والدعوة إلى مصاحبتهم وترك مسافة حرية لهم في التعبير والإختيارات إلا أن ذلك قليلا ما يعطي ثمرته، فالتربية سياسة وتحتاج كل فترة إلى سياسة جديدة. وبتعدد أصناف المشاكل التي تتكاثر بين الأباء والأبناء خاصة في فترة شبابهم تعددت أيضا الأسباب فهناك من يرجع ذلك إلى سلوك الأباء مع أبنائهم، وآخرون إلى ضعف منهجيتهم في التواصل والإقناع والإيصال، وآخرون إلى تمرد الأبناء وتأثرهم بمحيط غير محيطهم وعالم غير عالمهم، وهم في ذلك يرمون كل المسؤولية على التكنولوجيا. صارت علاقة الأباء مع الأبناء أكثر تعقيدا فأحيانا تصل حد القطيعة لأسابيع وشهور بل إلى وضع حاجز بين الطرفين وذلك لأتفه الأسباب وأبسط الإختلافات، إنه صراع جيلين وتمرد ثقافتين.

تحكي أمينة تجربتها مع الشقاء الذي سببه الإبن والزوج والخصام الذي لا ينتهي بينهما، تقول :  » كنا نعيش تحت سقف واحد ومع ذلك فإن لغة الحوار كانت منعدمة تماما، وكل واحد من الإثنين لا يسمع سوى صدى صوته انطلاقا من أن الآخر عديم التجربة يغلب عليه نزق الشباب أو متجاوزا ومتحجرا في أفكاره ومتسلطا في قراراته والأم وحدها كانت تكتوي بالنار لأن كل منهما يحملها مسؤولية حل المشكل مع الآخر دون أن يكترث أحدهما لحالها ». وغير بعيد عن ذلك تشكو مليكة موظفة عصرية مهتمة بنفسها إلا أنها مع ذلك تبدو في أعين ابنتها متجاوزة وآراؤها بالية لا تساير الموضة، تقول :  » كل خلاف يأخذ وتيرة ونبرة معينة وتمضي هذه النبرة في التصاعد حتى تتحول إلى مقاطعة للكلام وبعض الخلافات بين مليكة وابنتها كثيرا ما يستمر الجفاء لشهور رغم أن الحياة تمتد في بيت واحد وبين أربعة جدران. تستمر القطيعة في الكلام والجفاء الشديد لأيام ولأسابيع وشهور دون أن يخاطب لسان الأولى الثانية. إحداهما أم والثانية ابنتها، لكنهما يعيشان لفترات طويلة في القطيعة، وكلما احتدم الخلاف قاطعت الأولى الثانية أسابيعا وشهورا ».

إن تطور واتساع رقعة المشاكل في علاقة الآباء والأبناء وتحولها من مجرد مشاكل إلى جرائم يتشدد فيها القضاء وهو ما يسمى بجرائم الأصول إلى ظاهرة تجتاح المجتمعات بشكل مخيف، إذا أصبحنا نقرأ ونسمع عن هذا قتل والده وآخر أشبع والدته ضربا وآخر يقاضيها بسبب قطعة أرض أو كراء منزل، وصارت المحاكم لا تخلو من عشرات القضايا كل سنة وكل ذلك نتيجة خلل في التربية وغياب أسس مهمة كأعمدة لقيام تربية سوية يسودها الإحترام والتفاهم المتبادلين واللذان يصمدان مع مرور الوقت وتغير الظروف والأحوال.

تعليقات

تعليق

loading...