آراء أخبار الساعة

محمد المودن يكتب : دييغو والعود والمعزوفة المعلقة

تأليف nissaa

ورث كثيرا من ملامحها ومن الصفات. هذا الانفتاح بلا حدود على الأفق، والارتماء في أحضان الشمس المهيبة، يوقظ فيه وهج الانتماء

والأرض والمنحدرات والجبال، وقهقهات الصدى البعيدة، عناصر الهوية. ليس ثمة ما يوقف زحف الضوء على المنافذ بين التلال، و ليس ثمة من يصد زغرودة فلامنكية تستيقظ من غفوتها ساعة المساء. لحن الأغاني تراكم بألوان بعيدة على عتبة فجر يخرج جبهته من شقق الليل، فيوصي بأن العزم جسر النفس إلى حلمها .

دييغو الإشبيلي الذي أرضعته أمه كبرياء الوادي، وأسكنت في نفسه أهازيج الماء والظل، يستجيب لرعشة عشق التاريخ العربي على أ رضه الأندلسية، وفي عمران حكايته الساكنة على أغصان النارنج يرتب نوتات مفككة، يعيدها إلى الوجود. يفتش في كل متسع عن ظل للوجه، و عن سلام لليد ورقصة للأنامل. في أنامله يقول دييغو الإشبيلي « تستريح روحه »، و »في نوتة مبحوحة بقية الهوية ».

لا نهاية للعزم عنده، كل الحدود لديه هي لا حدود، فالروح تقدر عنده على التسلل إلى ما وراء الشمس، أو إلى ما وراء الظل. يدرك أن ثمة أغنيات تبحث عمن يعزفها، وشعرا يترقب من يجدل ظفائره. و عود يفتش عن أنامل توقظ حباله من سباتها.

ها العود يدندن من جديد على ضفة الوادي الكبير، يقول دييغو، إن قيثارته دلته على شريكتها. القيثارة أومأت له إلى معزوفة أندلسية تطل من غيابها منذ تعثرت الخيل في مرابطها. يستل دييغو اللحن من غمد أغنية معلقة، ويرحل به إلى وطنه. يهاتف دييغو عربيا في سانفرانسيسكو الأمريكية يطلب أن يهديه إلى سبيل العود. يتنكر له العربي ذاك، لا روح للعروبة فيه يقول دييغو، لا وصل له لا بالأندلس ولا بزمانها. يكمل دييغو طريقه بحثا عن وطن للأغنية المعلقة، بحثا عن عود يحيي بها الأغنية المعطلة.

في النفس عزم مكابر، ها هي ذي أنامل دييغو اليافعة، تخط كيمياء الوجود. يقول دييغو: » في القريب وليس في البعيد عثرت على تصاميم العود. أندلسي من جنوب المتوسط على وصل بالأندلس، يسعفني على تفكيك شفرات الإحياء ». « أطاوع أناملي »، يقول دييغو، « تسكنها روح الخلق ».  يضيف: » القيثارة تلهمني إلى شقيقها، تمنحني حيزها لأرتب فيه الدندنات، قبل أن أعيدها سيرتها الأولى. ها هي ذي الأغنية المعلقة تستعيد جفول الروح إلى أحرفها. كلما مضيت في تركيب جزء من أجزاء العود، تنتعش لذلك أعضاء الأغنية، تسري الروح في أوصال الكلمات وتوقظ اللحن الراقد قرونا طويلة. يقول دييغو : » الشاعر أنطونيو مشادو ترك حكمة شعرية :   » الطريق ترتسم بينما  نكون سائرين ».

لا يستوي الذين يحبون والذين لا يحبون. هذ ا الشغف الجارف، يعيد للوادي الكبير أغانيه المعطلة. دييغو يقول إنه ابن زمنين يصل بينهما العود الذي صنعه بحدسه الطافح ، تلهمه في ذلك روح معلقة، مثل الأغنية نفسها، بجوفه انعشتها دندنات  تهيأت جسرا للعابرين بين زمنين .

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق