آراء أخبار الساعة

محمد المودن يكتب : رسائل من تحت اللون

mohamed-elmoden
Avatar
تأليف nissaa

الفضاءات لها سلطة واضحة على أحاسيس الإنسان، تبلورت هذه القناعة لدي بينما بدأ بتناهي إلى ناظري من نافذة القطار السريع القادم من مدريد طلائع المشاهد الأولى البعيدة لمدينة إشبيلية،

كانت تلفها سحنة الخريف ببهاء خاص، وتغوص بك إذا ما أمسكتْ بتلابيب روحك في قرارة تاريخ عربي وإسلامي زاخر ، لكن يضع في الآن نفسه  المرء ممن يحمل مشتركا اسميا فقط مع هذه الحضارة  المعلقة في متحف الزمن، تضعه دون اتصال فعلي بها. لمست هذه الهوة بينما أتحسس بقدمي اليمنى الأرض بذهن شارد في ملكوت هذا التاريخ  وأنا اترجل من المقطورة.  ثمة فارق في الزمن شاهق بين الهوية الرثة التي نحملها اليوم، و بين تلك نفسها  التي صففت على أعين العالم بهاء هذه الحضارة الإنسانية الزاخرة. أعادني وقوفي على معلمة « لا خيرالدا »، بتجريب نزق الهوة السحيق الذي يتقد داخلك إحساسا متنطعا بينما عيناي تتسلق جدرانها الذاهبة  بكاريزما عمرانية إلى السماء. التاريخ هنا مرآة مكسرة إذا ما سعيت تحسس  ملامح وجهك فيه، لأن اكتمال الملامح لا يتحقق مع هذه الهوة بل يضيع في انحدارة  الهوة السحيقة بين مقام الأمس ومقام اليوم.  هناك تاريخ حضاري عربي وإسلامي هارب منا  تحسه وأنت تخترق شوارع تاريخية في إشبيلية، كما كان الحال معي وأنا متوجه إلى معرض المفن العالمي أحمد بن يسف، نحن اليوم غرباء في دهاليز هذا التاريخ نعرفه ولا يعرفنا. ثمة اختلال أو خلل في علاقتنا بالتاريخ نزلنا منه أو تخلى عنا، ولا قوة لنا حتى الآن على صعود إحدى قاطرته الآن، أو لسنا مهتمين حتى بالركوب أصلا، ولا نعرف محطات توقفه، ونسير أحيانا بالاتجاه المعاكس تماما. كان هذا إحساسا نافذا يرتب حيزه بداخلي بينما أزحف في ميترو محلي على مدينة « دوس إرماناس » وتبعد ثلاثين كيلومترا أو أقل بقليل حيث  المعرض  الذي يستمر إلى الواحد والعشرين من اكتوبر. ولجت قاعة  المعرض المرتب ببهاء  بينما كان ذهني ما زالت تشتبك فيه بقايا الأسئلة العلقة، لكن مع خطوي على إيقاع اللوحات المعروضة على جدران المعرض، كنت أتحرر تدريجيا من وطئ  المزاج الناقم أو المسائل  على الأقل. ألفيتني استجلي دبيب خطو  يسعى في ملاحقة التاريخ ،تحدثها في ذهني انطباعات تفاصيل كل لوحة  تشكيلية. ثمة تطهر من لوثة الغيات  تحدثها  السهام واللحاظ الجمالية لأعمال بن يسف في أنفسنا، نحن العالقين، على  مشارف كونها الرحب. ثمة انفصال عن هذا الزمن يحدث، واتصال بذاك الزمن يجري.

تضاريس الكون الجمالي لأعماله ، و قد نفذ إليها في ذاك المعرض حشد كبير من أهل الفن إسبانا وغير إسبان، تخلق دينامية  في تأمل من يعبر مسالكها ، تخلق حياة ورجفة  في فعل المرور في أدغالها، تعتري الوالج  إلى تضاعيفها  انخطافة ومضة  توقد أحاسيس،  بأن ثمة مسلك إلى التاريخ وثمة أناس  يعبرون اليه.

ثمة دينامية  وحركية تبعث  الأمل كما يبعث الماء الحياة. أغادر معارج لوحات التشكيلي بن يسف لأقف عند شخصه هو محركا لهذا الكون الجمالي التشكيلي، فأتخيل الفعل التشكيلي في صنيعه، وحجم الحياة التي يشعلها في دروب عوالمه، فتناسلت أسئلة مثل حبات سبحة تصطف على خيط التأمل، تلاحق طيف ترتيب الأحاسيس و الأمزجة و الملامح والانفعالات والوجوه:

كمْ من الدروبِ نَسَجَتْ أناملُه على جَبهةِ البياض، وكمْ من الجسورِ رسمت فوق أَرْخَبيلاتِ الألوان والأحاسيس، تَعْبرُ منها أنظارُ الرَائي إلى المَنافذِ العَميقةِ لتلك الرُوحِ التي تَأْتَمر بأَمرِها رعشةٌ الفرشاةِ. وكم من رغبة في الحياة أَيْقضَ صخب خَدْشِهِ على بساط اللوحة في أحْشاءِ الأجسادِ العابرةِ. كم من الأفراح قَدَحَ انفِلاتُ فُرْشاته  في نُفوسِ المُستَوطِنين بَياضَهُ. وكَم من الأَحزان كَفْكَفَ مِنْ على جَبين المُتَوَسِلين أعتابَ عوالِمهِ. وكم من الظِلالِ اسْتوتْ على رِحابِ أَعمالِه، و استراحَت في فَيئِها أحلامُ فراشاتِهِ وسَجْعُ حمامِهِ. كم من ربيعٍ صَفَفَ على أَكتافِ الشجرِ، وكم كرامةً أًسكنها فسيحَ قُلٌوب المَكلومينَ، وكم من لَحْنٍ عَزَفتْهُ أَكُفُهُ على شِفاهِ الوِديانِ والجَداول بلوْحاتِهِ، وكم من أَمَلٍ  أَشْعلَ في نفوسِ التَائِهينَ حتى اهتَدوا على إِشْراقاتها.

محمد المودن – مدريد

[email protected]

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق