آراء أخبار الساعة

محمد المودن يكتب : غجر…. وحمائم

mohamed-elmoden
Avatar
تأليف nissaa

 في غرناطة بقيت… بقيت معلقا بشرفة القديس نيكولاس… مازلت أعدد حجم الدهشة….أشعر بلحظة من التحليق في الغياب،

كلما وهن وَصْلي بالحضور. وجه أندلسي لعابرة مثل طيف، أيقض حفيف الروح. تعانقت في محياها زرقة العيون وسمرة الخد. على تقاسيمها يتعانق التاريخ و الجغرافيا. يتواعد الشعر و النثر… يتحاور البحر والبيداء… يتهامس الكأس والليل. أتخيل من عبروا من هنا قبلها، كيف كانوا يصففون لحظ رموش غرناطة وهي تسلم حفيفها للمساء، وتذعن كفها لقمر تزين بكل البهاء بينما يتهيأ ليجتاح قلب ليلها الناعم.

لا أكاد أُنتشل من هذا الغوص المفروض علي فيما وراء الاندهاش المركوم، نحن الذين تصادفنا هنا في شرفة القديس نيكولاس، لا نلتقي في شيء، ولا يشبه بعضنا بعضا في شيء، غير أننا مصابون معا ودون استثناء بداء الدهشة المكتسبة. أسلم نفسي لها، كما غيري، هكذا خُيل لي، تعبث بي كيف تشاء. كل النهايات واحدة، معلقة هناك بعيدا في الغياب.

بعد صمت موزون… أصوات قيثارات غجر أربعة تعالت في الأجواء، كأنها توقد الهمم من مراقدها. جوى عزفهم يورث شغفا حزينا و التحاما أبلغ بصدور الشوارع العميقة، يغيب عن كنهها أفق منفلت. قررت على إثرها أن أنزلق  إلى واحدة منها. أعانق شرودها، وأطارد المنتهى فيها… ثمة جمال في بطون هذه الشوارع التاريخية التي تسلمني إلى قصر الحمراء، يسقي من يعبر سراطه المنعرج برحيق مختوم سائغ للزائرين.

لا تقوى المنافذ إلى حاضر الحمراء أن تغلق نوافذها أمام رياح التاريخ العاتية، تشتهيها نفسي وتبسط لها أجنحتها المغمورة، تنشد حسن العاقبة منها.

ليس بيني وبين قصر الحمراء سوى ضفتي تاريخ، وبعض سفر قديم، ولون لم تكتمل ملامحه، وكلمات مازال يقطر منها ندى مرصعا بالخواتيم، وقصصا مخبأة في سنابل الصبح وفي ضي القمر. ها أنذا في حضرة الحمراء، أغار من ظلي الذي مست أنامله زخارف السجاد، ومن حلمي الذي طاوعت جموحه هندسة خاشعة من آي الله على مرافع الجدران. كم تحملت من    من زلف التقوى وشغف بلا عمد.

أتخيل من تأبطوا الحكمة، كيف رتبوا  أحرف اسم غرناطة بكل الألوان عناوين تهدي الهدى، وصففوا الأقواس على وقع صدى مواعيد، كانت كلمات من دون صدى. التاريخ العربي هنا أكثر من غيره متهم بحشد الناس إلى باب الحمراء، ومتهم برفع أثمنة التذاكر، وبقطع أنفاس الطريق المهرولة إلى فنائه، وبكتم أصوات الهامسين في أذان الليل أمام حضرته.

ينبئني المقام بغرناطة، قرب قصر الحمراء بطيب المقام، يسافر بي الوقت وبعض الحنين الذي تركز غصة في شفاهي إلى الوراء. أمخر عباب الأحرف الممسكة بذيل الليل، واهتدي  بوقع الكلمات على الجدار، ألاحق ما تخبئه من طيف تاه عنه ظله، و أقطف بعض اللحن من سنفونية أينعت في  فيض كلمات الله حتى صار ظلها على الجدران لونا خاشعا. الصور و الأقواس  وتراتيل الأجراس، عناوين سفر أخرى إلى باحة  قصر الحمراء.  مازالت هذه المسافة بيني وبين الحمراء تصرف عني الرغبة في المغادرة، وتشحذ همة البقاء. ما زال بيني وبينها غجر وحمائم وأنين قيثارة ينزف من أنامل عازفها رذاذا يوقد زهر الحدائق من خمولها.

أسافر بعيني إلى منتهى البصر ما بين السماء والحمراء، ثم أعود بهما فيعلقان بغيمة كانت تطل من شرفة المساء..  يلفني  وطئ  هذا الارتطام ويسلمني إلى قرارة نفسي، أبحث في قعرها  عن ظل لحماس يسندني ثم أغادر أمام  شغب المحاولة.

يشج الليل جبهة المساء تعضده جحافل الضباب الشتوي المركوم، فتسيل منه قطع مغيب محتشمة متجاورات، ويستولي على ما بقي من معاقله. أقرر  ضدا على أشرعة الليل الزاحفة  أن أمكث زمنا آخر في غرناطة، حتى أكمل باقي السفر  إلى أدغال التاريخ العربي المُعَسكِر في قلب قصر الحمراء وفي أرجاء غرناطة كلها…

يتبع…

محمد المودن-  مدريد

[email protected]

تعليقات

تعليق

Nissaa-popup2

تعليقات

تعليق