افتتاحية

مصلحة الوطن والغوغائيون

khadija-sabil
تأليف fatine

خديجة سبيل

عرف المشهد السياسي في وطننا حالة من الغليان فجرتها أكثر من قضية، جعلت الرأي العام يتفاعل مع تداعياتها بطرق ومستويات مختلفة.
وكان الضحية هو النقاش الهادئ للمعضلات الطارئة على حساب البوليمك السياسي. فالأطراف الموجودة في المشهد وجدت نفسها سجينة مواقعها الحزبية وما يفرضه موسم الانتخابات الوشيكة من كر وفر في لعبة سياسية معروفة ومجربة من قبل، ولم تستطع المكونات المتصارعة في الساحة الانتصار لقيم التقدم ولمصلحة المواطن.
لقد جاءت محرقة طانطان لتعري واقعا مروعا، يتجلى في الأرقام المهولة لحوادث السير وارتفاع ضحاياها القياسي، ولم يجف دم الضحايا حتى جاءت حادثة أخرى في طريق وارزازات، لتكشف أن الأزمة بنيوية، وطرق علاجها محدودة، بل ومعدومة.
الأرقام تقول أن المغرب يفقد حوالي 4000 من مواطنيه كل سنة وفي كل مرة ترمي فيه الجهات المسؤولة الحبل على الغارب دون أن تتمكن من معالجة الظاهرة الكابوس من جذورها.
قبل ذلك طفح على السطح ملف الإجهاض الذي فجره روبورتاج على إحدى القنوات الأجنبية حول الموضوع «الطابو»، ليخرج إلى النقاش العمومي وينتهي بتدخل ملكي، دعا فيه إلى خلق لجنة تتحرى حول الموضوع بهدف الخروج بمقترح قانون، للتعاطي مع ظاهرة لها تعقيدات كثيرة، ومن المفترض أن تقدم خلاصاتها إلى الملك في الأيام المقبلة، بعد أن انصرم أجل شهر الذي منحته أعلى سلطة في البلاد   لهذه اللجنة.
وليس هناك مجال للتأجيل، فالأرقام تؤكد أن المغربيات يجهضن بمعدل 600 حالة أو ما يزيد يوميا، مما يستدعي النظر إلى الظاهرة وفق مقاربة واقعية تتجاوز كل الخلفيات الإديولوجية والعوائق التي يضعها البعض باسم الدين بعيدا عن حق الاجتهاد الذي يتيحه النص الديني نفسه.
الموضوع الآخر الذي استقطب اهتمام الرأي العام، هو مشروع القانون الجنائي، الذي فتح نقاشا موسعا حول الحريات الفردية والتضييق على المجال العام، وتراجع منسوب الحريات، بما في ذلك حرية الصحافة والنشر، التي يقيدها المشروع، ويرفع من مستوى الرقابة، خصوصا على المواقع الإلكترونية والصفحات الاجتماعية.
وفي الأثناء، خرج إلى العلن حب الوزيرين، وتداخل، في الواقعة الفريدة، الحياة الخاصة والشأن العام لمسؤولية الوزيرين الحكومية، وكان أن تحولا إلى موضوع مفضل للصحافة وأحاديث المغاربة.
وأعادت هذه الواقعة للنقاش، ظاهرة تعدد الزوجات، بعدما حاول الوزير الحبيب «لم الموضوع» في البداية من خلال ماقيل عن مبادرة زوجته الحالية إلى خطبة الوزيرة التي ستصير زوجة ثانية، وهو العرف السائد لدى الإسلاميين في مثل هته الأمور ويعكس رسوخ قناعة التعدد في عقليتهم. فرئيس الحكومة نفسه معروف عنه أنه ينطلق في حديثه مع النساء دون تحفظ، حتى بحضور زوجته، دون أن يمنعه ذلك من الثناء عليها في المقام الأول، وهي المكانة التي تظل محفوظة للزوجة الأولى في عرف التعدد.
وهكذا تتوالى الأحداث وتتوالد في البيت الحكومي، حيث تسود القشور على الجوهر، ويغيب توقع المواطن المغربي المتطلع لوضع أفضل وأداء من حكومة ولدت في سياق مغربي خاص.
والنتيجة، أننا أمام مسلسل حكومي طغت أسرار بيته الخاص على القضايا الحقيقية التي تهم المواطن، الذي لم يعد ينتظر نشرات الأخبار لتتبع نشاطات حكومته. فغسيل الحكومة كله منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، مضافا إليه مختلف البهارات لرفع منسوب التشويق والسخرية من مضامينه لتحقق بذلك أعلى المشاهدات قبل السباق الرمضاني.
تدني مستوى المشهد السياسي ببلادنا لم يقف عند هذا الحد، بل أن جلسات المساءلة بالبرلمان عادت لتخطف الأضواء من جديد بعد خرجات رئيس الحكومة الأخيرة، والذي لا يستسلم أمام خصومه، ويتلذذ برد الضربات واللكمات بضعفها.
لقد كان من باب أولى وأحرى، أن يتحلى الفاعل السياسي الرسمي والمعارض بالكثير من الهدوء، وأن تكون ساحة البرلمان وساحات الإعلام مجالا للتنافس الشريف ومقارعة الحجة بأختها، وليس فضاء لرفع الصوت والشيطنة.

تعليقات

تعليق