أخبار الساعة المجلة

مغربيات إسبانيا و جائحة كوفيد 19 من ألم التجربة إلى رحابة الإصرار في مواجهة تداعياتها

نساء في حقول الفارولا
Avatar
تأليف nissaa

عاشت مغربيات إسبانيا و مغاربتها على غرار الإسبان أنفسهم، وباقي أفراد المجتمعات في العالم التي يجتاحها فيروس كرونا لحظة تاريخية غير مسبوقة، شابهم خوف وقلق، ومسهم نصب ولغوب من ظلمة الأفق ومن تواري أشعة الفرج منها

   وقد عاشو ا المحنة أضعافا ثلاثة: محنة الجائحة نفسها بما تحمله من خوف ورعب الإصابة بالفيروس، و الخوف من أحد مشاهده المرعبة يكون فيها الموت الشبح المخيف والسيناريو المقيت في هذا الوقت العصيب بينما يبسط كوفيد عزلة إنسانية رتيبة، ويغادر الواحد أو الواحدة الى حتفه وحيدا. المحنة الثانية هي أنه مس عصب الحياة الاقتصادية والإنتاجية لمغاربة هذا البلد الأوروبي على غرار باقي  المواطنين الإسبان، فقد أوصد الفيروس أبواب مصادر  أرزاقهم ، وأصاب بمقتل  عصب الحياة لديهم. إذا توقفت غالبية الأنشطة غير الرئيسة التي تركز فيها سعيهم من أجل لقمة العيش. و تأثرت النساء بينهم بنصيب أكبر حيث تعطل الطلب على خدماتهن سواء أكن ممن يعملن في البيوت أم ممن ينشطن في خدمات مثل الطبخ في مطاعم. وثالث ثلاثة أن تعزل أسر  في و حدة  واغتراب يشدد فيه القر عزلة سيبيرية، حيث يعدم بعضهن دفئ العائلة أو الأصدقاء أو حتى الجيران. ساد خوف من جنس ذاك المقترن بالكوارث، و ألفى الناس أنفسهم كأنهم خشب مسندة  بلا روح و بلا أمل لوهلة، وذلك من شدة الخوف والهلع  والتوجس، يعيشون  حلكة ليل جثمت فجأة على صدر حياتهم وغيبت الشمس إلى أجل.

سرق كوفيد 19 عمرا، واغتصب فرحا، واقتلع ربيعا من فصول العام وغيبه إلى أجل، و ألغى مواعيد و أقام أخرى.  لكنه في المقابل يقول من شدت الحكمة إزار نظرهم، إنه بنى وعيا، وصاغ حكما زادا لما يُقتبل من العمر للفرد و للمجموعة.

في هذا الربورتاج ترصد « نساء من المغرب »، معارك خاضتها مغربيات المهجر الإسباني بينما يواجهن تقلبات الأحوال و المصائر غير المتوقعة عقب نزول جائحة كرونا بغير موعد ولا سابق إنذار، وجعلهن على جبهات معارك لم تألفها المغربيات هناك.

مغربيات حقول التوت ورياح الجائحة العاتية

كما في كل موعد وفي كل تحد، تكون هناك نساء على الجبهة على أهبة لخوض رهانها. بينما أوصدت البلدان حدودها بسبب كوفيد 19 عشر، اتسعت حاجة الحقول الإسبانية خصوصا في إقليم الأندلس إلى من يقطف محاصيلها. استجابت المغربيات سريعا للطلب، و أ نقذت محصولا من التلف بينما المحليون والمحليات يتوارون عن أنظار كوفيد 19 في بيوتهم. في الحقول بقين هن وحدهن ينقدن حصاد المزارعين. وسرعان ما وجدت بعضهن أنفسهن، بعدما أنهين عملهن  على أكمل وجه،  أمام مصير آخر غير متوقع: انتهاء حاجة المزارعين إلى أيديهن من قبل بعدما  استنزفت  ما بقي لهن من حيلة لمواجهة تبعات الحياة الجديدة، وظهور وباء يخيم على العالم بتداعيات غير مسبوقة.  توثق سميرة، وهي مغربية ممن يعملن في حقول الفراولا بويلبا، بحديث لها إلى صحيفة إسبانية، « أنه لما شارفت وزميلاتها على إنهاء خدمة جني التوت من حقول إقليم الأندلس، جن عليهن الوباء، وتغيرت ظروف العمل، وأغلقت البلدان حدودها ، وصار التنقل إلى أي  وجهة  أمرا غير ممكن، ولا العودة إلى ديارهم أمرا متحققا » في ظل توقف الرحلات البحرية بين إسبانيا والمغرب. فنفذ، مع مرور الوقت، تضيف سيمرة « ، ما كان بيدهن من زاد ومن مال ». خصوصا أن كثيرات من العاملات المغربيات في هذه الحقول اللواتي يوثرن على أنفسهن أهلهن وأبناءهن، تحت غريزة الأمومة وغريزتهن ا لإنسانية المجبولة على التضحية ونكران الذات، كن بادرن فور تسلمن أجورهن إلى إرسال ثلثين منه إلى أهلهن بالمغرب، فبقي لديهن القليل جدا لسد حاجتهن في وضع غير مسبوق لم يجايلنه من قبل. تمضي سميرة مؤكدة في ذات الحديث: أنهن مع تعذر حال العودة بدأ  ينفذ ما في حوزتهن من مال، وتعذر دفع أجور الكراء.  اضطررن للقيام في مساكن بعضها بلاستيكية أقيمت لهن على مشارف الحقول تلك.  لقد أُ غلِقت كل الأبواب، أبواب العودة و أبواب الحقول التي نفذت فيها الفراولا ، واشتد بهن الوضع خصوصا بعد تعذر تمديد عملهن بحقول أخرى ، يترقبن ما  تحمله  نوائب الجائحة.  لا يقبل الإسبان على هذا العمل، بل هن و  رفيقات لهن من بلدان أخرى مثل رومانيا وبلغاريا، ويفضلن المغربيات كما تفيد العقود المستمرة منذ أعوام، من يتكلفن بجني المحاصيل الي تسد حاجة مواطني هذا البلد إلى هذه الفاكهة.  لم يرفق بهن كثيرا  كوفيد 19 ، فبقين يستشرفن قدوم حال أفضل من سابقه.

hanan midan
كف الجائحة غير الآمن

إذا كان من مشهد أسوأ ، ومنظر بألم أوسع رسمه كوفيد 19 خلال أيام الحجر الصحي، فذاك الذي كانت فيه قوائم المترددين على مراكز المساعدات الغدائية   المخصصة للمعدومين، ولمن ألفوا أنفسهم بين عشية و ضحاها  بلا سند، لا يملكون إلا أقداما تحملهم إلى حيث يعتقدون أنهم سيتلفون جوع يومهم، ويخففون من وطْئ الحاجة . كانت الأزمة الاقتصادية التي مست إسبانيا والعالم في 2008 خلفت ظواهر غير مسبوقة من جنس أولئك الذين أضاعوا عملهم، وأضاعوا فرص شغل. لكن لم تكن بلغت حدتها حتى ترى قوائم من كانوا بِعملٍ أمسِ هُم اليوم بيدٍ صِفْر يقفون ويقفن بين المصطفين على أبواب دور « الإحسان- كاريتاس » يطلبون وجبة يومهم وغدهم على أكبر مدى.  كان المشهد صارخا في دراميته. تنقل صحيفة إسبانية عن مواطنة إسبانية تدعى ديبورا  و قد دخلت في نوبة بكاء، تقول بينما  أخدت موقعها في طابور طويل من الواقفين والواقفات على مركز « كاريتاس »: » لم أر نفسي هكذا من قبل. أشعر بالخجل لوجودي هنا »، ثم تضيف ديبورا  التي تردد ت على المكان لأول  مرة وهي التي كانت تلعب بغرفة ألعاب  بمدريد: »  نعم صحيح لم أطرد من عملي وقد أعود إليه بعد انتهاء الجائحة، ولم تسو الحكومة بعد أمر المساعدات ، لكنني لم أتقاض أي أجر منذ شهرين، و نحتاج إلى طعام يومنا ولست أستطيع تدبيره إلا من هذا المكان ».

كان هذا حال ديبورا مواطنة إسبانية، فكيف حال من لم يكن لهم عمل من قبل، ومن يكون قد نفذت كل المساعدات التي تمنحها لهم الدولة الإسبانية.  في ذات الطوابير وفقت مغربيات مسهن وبحدة أكبر ما مس غيرهن.  لا فرق بالنسبة إلى الجائحة بينهن، لا في أصلهن ولا في فصلهن. يزحف دون هوادة على مصائر الناس والعباد.

بذات الطابور الطويل بالعاصمة مدريد و قفت أيضا مليكة مطلقة وأم لطفلة، كانت تعمل في النظافة، توقفت قبل ستة أشهر عن عملها، واستنفذت حصصها من الإعانات التي تقدمها الدولة.  تحدثت إلى « نساء من المغرب  » بعد وساطة أحد معارفها، وبعد تعهد بتغيير اسمها في هذا التقرير، و ضعت نظارة سوداء على عينيها على الرغم من أن الجو كان شتاء لا شمس فيه، كانت ترغب في إخفاء ملامحها، وضعت أيضا طربوشا نسائيا إمعانا في ذات التخفي. تلفت ذات اليمين وذات الشمال، تتطلع محيطها مرة لترى هل يتقدم صف الواقفين مرة، ثم مرة تستشرف من بمحيطها. تكرر مليكة أنها لم تعش هذا الواقع من قبل، لكن حدة الجائحة التي جمدت الدم في عروق الحياة « بتعبيرها »، أتلفت كل السبل، و   أوصدت كل الأبواب. تضيف مليكة: « كنا ننتظر ساعات طويلة ليصل دورك، وتأخذ نصيبك ليغطي حاجياتك الأساسية لأيام ثلاثة أو أربع ». كان وضعا يشق على الواحدة منا استساغته، تحكي مليكة، خصوصا أنك تعلمين أنك ستضطر ين إلى العودة إلى ذات المكان مرة أخرى بعد أيام خمسة أو ستة على أكبر تقدير. لم يكن من أمر يفتح في جبهة الأفق بارقة أمل غير الحكومة الإسبانية (يسارية) بينما كانت تتعهد بمنح دخل أدنى حيوي، ينتشلها وما يقارب مليوني شخص آخر بإسبانيا يوجدون على عتبة الفقر بسبب الجائحة. تؤكد مليكة، وهي تتحدث إلى « نساء من المغرب » بعد أن رفعت حالة الطوارئ، أنها تستفيد من الدخل الأدنى الحيوي، و تتلقى شهريا 700أورو. تضيف أن الأجر يخفف عنها وعن ابنتها تداعيات الأزمة الصحية، وأنها ترتب نفسها لتدخل مرحلة البحث عن شغل قار.

نساء في حقول الفارولا

مغربيات أبدعن ضد العنصرية تحت الجائحة

من شر الجائحة المستطير أنها أيقظت نوازع العنصرية في خطابات قوى سياسية يمنية متطرفة  ضد من هم أجانب،  بنظرهم حتى ولو كانوا يقتسمون مقر الولادة ومقر المنشئ. من هم من أصول مغربية باتوا هدفا أبيض متكررا للحزب اليميني المتطرف ولمن شرب مشربهم من قوى اجتماعية. فقد استثمرت القوى اليمنية في الهجرة بخطاب الكراهية لتسوغ وجودها القائم على إلغاء من يخالفها، إذ ليس لها غير هذا. لم تعش اسبانيا يوما عنفا خطابيا صادر امن افواه الساسة، خصوصا اليمين واليمين المتطرف، مثلما تعيشه اليوم مع وصول فوكس خصوصا ابان الجائحة. لكن لخطاب العنصرية هذا، من يركنه في زاوية، ويصده صدا من دون عنف. تكلفت شابة في مقتبل العمر من أصل مغربي تقيم ببرشلونة بالرد، واختارت السخرية سبيلا مكسر لعظم العنصرية. حنان ميدان، هذه المواطنة من أصل مغربي ركبت صهوة السخرية ولاحقت تخييلها الخلاق في ابتكار ما يصد قذائف العنصرية. كانت أبدعت مرتين، باختيار أسلوب راق في الرد، وحيلا حكائية كسبت بها دعم غالبية الإسبان وطارت شهرتها بكل البلاد.  تساهم فتاة في معركة التناغم الاجتماعي بألذع ما يعطل أنفاس بالونات هواء العنصرية النتن. من المشاهد الساخرة التي اعتمدتها في تجسيداتها الصورية على المواقع الاجتماعية أنها كانت ترقص وتحمل طرفا من الثوب ثم تكتب تحت صورتها ما تتوقع أن يقوله العنصريون مثل: » أليس كان عليها وضع قطعة قماش على رأسها ». أو في فيدو ثان تصور نفسها و كأنها على طريق حدودي يقود الى المغرب بينما تطلب من شرطة الحدود السماح لها بالانتقال إلى بلدها المغرب « لتبك  فقط قليلا  هناك وتعود »، في تلميح ساخر، لمن يستعلمون دوما خطابا عنصريا من صنف: » اذهب إلى بلدك الأصلي وابك ».

لقد استطاعت حنان أن تبدع خطابا قويا وبليغا في نقل الرسائل المعادية للكراهية، وأحسنت صنيعا صفقت لها وسائل الإعلام الإسبانية بغالبية واضحة منتقدة في الآن نفسه نوازع العنصرية بين من  يبثونها .

محمد المودن- مدريد

تعليقات

تعليق

fdm-popup-nisaafdm-popup-nisaa

تعليقات

تعليق