المجلة

مواجهة بين فاعلات جمعويات و الوزيرة بسيمة حقاوي

في سياق متابعتها لما يعرفه ملف المرأة من تطورات أو نكوص في ظل الحكومة الحالية، تفتح « نساء »مواجهة بين أسئلة الفاعلات الجمعويات والحقوقيات مع السيدة بسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية.. المواجهة تتخذ شكل أسئلة في إحدى القضايا والجوانب المرتبطة بالملف، وأجوبة تعكس بشكل من الأشكال ما تحقق وما لم يتحقق في الثلاث سنوات من عمر الحكومة الحالية.

إلهام شرقاوي : جمعية مبادرات للنهوض بأوضاع النساء

خلصت دراسة قامت بها جمعية مبادرات للنهوض بأوضاع النساء بمكناس أن 46 بالمائة من الأحكام الإيجابية لدعاوى ثبوت الزوجية تتعلق بفتيات قاصرات. هل يعقل أن يمدد الفصل 16 من مدونة الأسرة، كما هو عليه، ليفتح بذلك الباب لتزويج الطفلات بنسب عالية؟ وما هو دور ومسؤولية الحكومة في هذا الإطار؟

أولا هناك توضيح يتعلق بفصول مدونة الأسرة كل واحد في إطاره، مثلا زواج الفتيات دون سن الأهلية يتعلق بالفصلين 21 و22، لكن الفصل 16 يتعلق بثبوت الزوجية، وهو مرتبط بمدة محددة بدأت عام 2004، سنة المصادقة على نص قانون مدونة الأسرة، وذلك بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى 5 سنوات حسب نفس الفصل، لكن بعد انقضاء المدة بقي الإشكال مطروحا، بحيث لا تزال هناك زيجات لم تتمكن بعد من توثيق زواجها، لذلك تم تمديد العمل بالفصل خمس سنوات إضافية، ويبدو أنه بعد عشر سنوات تظهر الحاجة لتمديد آخر. الإشكال الذي يطرح هو أكثر تعقيدا، خصوصا عندما يلجأ البعض إلى الزواج بالفاتحة لتمرير زواج بقاصر أو زواج في إطار التعدد، الآن أرجع عشر سنوات إلى الوراء، عندما كنا نناقش مشروع قانون مدونة الأسرة بالبرلمان، كنا نقول بأن تحديد مدة خمس سنوات ستطرح إشكالا، حيث سنضطر دائما لتعديل النص القانوني لأننا لم نضبط مسألة ثبوت الزوجية بالشكل الكافي رغم الجهود التي تقوم بها وزارة العدل والحريات والجمعيات، وأيضا التحسيس الذي نقوم به نحن في اللقاءات من أجل دعوة الناس لتوثيق زواجهم. النقاش اليوم حول التمديد أو التعديل هو نقاش جيد وكفيل بإنضاج الأفكار حول الموضوع، والحكومة تجتهد في إطار النص، يؤشر عليه تحديد الحد الأدنى للزواج دون سن الأهلية بدل أن يكون مفتوحا على السلطة التقديرية للقاضي، مما يعني أن هناك اشتغال على ما يضمن إثبات الزوجية وتفويت الفرصة على من يتحايلون على القانون.

في نظركم ألا يطرح عدم انسجام وتوافق مدونة الأسرة مع الدستور الجديد، وتأكيد هفواتها في بعض القضايا، استعجالية التعديل بعد عشر سنوات على نزولها؟

لست مع الأحكام العامة، ولا مع المقارنة الهلامية، إذا كان هناك عدم التلاؤم ما بين النص الدستوري والقانوني للمدونة يجب تحديده. بالنسبة لي لا يبدو لي الأمر على هذا النحو، لكن صراحة سقف الدستور عال جدا، وهناك من المبادرات التشريعية التي تدخل في إطار تنزيل مضامين الدستور، ومنها هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، وهاتين الهيئتين تتجاوز مجرد أحكام أحوال شخصية.

لطيفة البوحسيني : فاعلة نسائية

السيدة الوزيرة، بما أنه سبق لكنّ كفاعلة حزبية أن انخرطت في التعبئة، ضمن مختلف الحساسيات السياسية في بداية الألفية، من أجل الرفع من تمثيلية النساء في مراكز القرار السياسي وهو ما أدى إلى تبني اللائحة الوطنية التي استفاد منها عدد من النساء كنت من بينهن، وبما أن الدستور الحالي ينص على المناصفة وبما أنكن اليوم تتحملن مسؤولية حكومية في قطاع/آلية مهمتها تنسيق السياسات العمومية في ما يتعلق بالنهوض بأوضاع المرأة، فما هي التدابير والإجراءات الفعلية التي تقترحونها من أجل الرفع من وتيرة عدد النساء في مراكز القرار السياسي؟

اليوم لدينا ممارسات جارية من حيث تمكين المرأة من كوطا تسمح لها بالوجود بشكل لائق داخل المجالس المنتخبة « 17 بالمائة بمجلس النواب، و12 بالمائة بالمجالس الجماعية »، وهذه الحصيلة مرشحة للارتفاع من حيث النسبة، إضافة إلى مجموعة من المبادرات الجديدة التي دفع باتجاهها النص الدستوري الذي يؤكد على المناصفة بين المرأة والرجل في المجلس الأعلى للقضاء، وقانون ومرسوم التعيينات الذي يشير إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار وجود النساء في مراكز القرار. أكثر من ذلك ثقافة اليوم بدأت تتأسس على الإنصاف والعدل وتكافؤ الفرص بين الجنسين، طبعا هناك تحديات كبيرة وعراقيل موضوعية، منها أن النساء منذ عشرات السنين لم تتمتع بالتدرج في مواقع القرار حتى تصل إلى مواقع المسؤولية العليا، وهذا ما يعرقل اليوم وصولهن إلى تلك المناصب المتقدمة، على اعتبار أنه في كل دعوة إلى الترشيح لمنصب من هاته المناصب، تكون ترشيحات الرجال مضاعفة عشر مرات لترشيحات النساء، وهذا يقلل من حظوظهن عند التباري، مما يصعّب مهمة تمكين النساء بأعداد مهمة في مواقع القرار، الوضع إذن يفرض فتح المجال وهو أمر جاري، بحيث لا ينبغي تحديد سقف للمرأة من حيث الترقي وتحمل المسؤولية داخل الإدارة المغربية وخارجها. فوجود المرأة في مراكز القرار وفي المناصب العليا لا يزال شحيحا، لكننا نسعى للوصول إلى 22 بالمائة.

يمرر الإعلام عموما صورة تسعى إلى ترسيخ الصور النمطية بشأن أدوار المرأة. فالإشهار على سبيل المثال لا يزال يختزل دور المرأة في القيام بأشغال البيت ويتم توظيف المرأة في كل ما يتعلق بمواد التنظيف وغسل الأواني والملابس. ما هي الإجراءات العملية والتدابير التي تقترحونها من أجل أن يساهم الإعلام (الإشهار) في تطوير العقليات، ونشر صور ايجابية أقرب إلى واقع الإسهام الفعلي للنساء؟

نراهن على المرصد الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام، الذي صدر قرار بإحداثه سنة 2014 ونعمل مع وزارة الاتصال من أجل الإعلان عن تشكيلته قريبا، والذي سيقوم بدوره في رصد جميع الظواهر التي تجعل المرأة محصورة في أدوار محددة، وتستعمل بالشكل الذي يسلط الضوء على أنوثتها فقط بدلا من إمكانياتها ومهاراتها وقدراتها على الحضور المتكافئ مع الرجل، فالمرصد كآلية رصدية سيساعد على العمل التحصيني لصورة المرأة وحضورها في الإعلام بمنطق المقاربة الحقوقية التي ترسخ المساواة بين النساء والرجال، سواء في البرامج الحوارية أو البرامج الفكرية الثقافية، وفي مواقع القرار بالمؤسسات الإعلامية. أعتقد أن هناك عقلية غير منصفة تفكر في جسم المرأة أكثر من قدراتها العقلية، وهي القدرات التي تنسب دائما للرجل، وبذلك تموقعه في مواقع المسؤولية والسلطة، لكن مع ذلك نقف على بعض التراجع على النمطية في الخندقة للأشخاص حسب الجنس، فأصبحنا نرى في الإعلام رجال في المطبخ وآخرين يعتنون بالأبناء، ينبغي للإعلام أن يقوم بدوره في الرفع من سقف هاته الثقافة التي بدأت تتأصل، وعليه أن يعكس الصورة المبنية على العدل والإنصاف والمساواة المطلوبة ثقافيا في علاقة المرأة بالرجل ونظرة المجتمع للمرأة.

سعاد شنتوف : فاعلة حقوقية

يعاني قطاع التعاون الوطني الذي يوجد تحت وصاية وزارتك من اختلالات عدة على مستوى التأطير والتأهيل، مما ينعكس سلبا على وضعية خريجاته، إذ لا يسمح لهن التكوين في المهن التي تلقيناها بالولوج لسوق الشغل، وتبقى النسبة الكبرى من المتخرجات في دائرة القطاع غير المهيكل، حيث الهشاشة وتعميق تأنيث الفقر عبر المهن البسيطة التي لا توفر العيش الكريم. ما هي استراتيجية الوزارة في هذا المجال، وما هي التدابير والإجراءات التي تمت بلورتها للنهوض بهذا القطاع؟

هناك إشكاليتين متعلقتين بهذا الموضوع: إشكالية الحكامة داخل التعاون الوطني، وإشكالية من يرتادون مراكز التربية والتأهيل، المشكل الأول يتعلق بكون هذه المؤسسة قديمة من حيث التأسيس ومن حيث الأدوار التي تقوم بها، وعرفت فترات الجمود، مما جعل منها مؤسسة متضخمة من حيث عدد موظفيها، والأدوار التي تقوم بها، لكنها غير ناجعة من حيث الأثر على الواقع. كان هناك نقاش بين وزارة المالية ووزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية حول أدوار التعاون الوطني، حتم علينا إطلاق دراسة حول هذه المؤسسة تحت عنوان « تنمية التعاون الوطني » سنة 2012، وذلك من خلال تشخيص وضعها للنهوض بها، والتي انتهت سنة 2014، وقد تداولنا في نتائجها وتوصياتها التي حددت المساعدة الاجتماعية كوظيفة أساسية للتعاون الوطني لتصبح أكثر نجاعة، وأن يتحرر من وظائف كان يقوم بها وهي لا تدخل في تخصصه وتجعل جهوده متشتتة. هناك لقاءات ومفاوضات مع القطاعات المعنية للتفكير في فسح المجال بانخراط المجتمع المدني في إطار شراكة ثلاثية ذات أثر ناجع.

عندما يتم اختزال ميزانية النوع الاجتماعي في بعدها التقني، تصبح عاجزة عن تحقيق الأهداف التي توختها الفلسفة المؤطرة لها، والتي تكمن في تحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف، ما هي في نظركم التدابير ذات الأولوية لضمان عدالة اجتماعية وإنصاف على المستوى الماكرو اقتصادي بصفته الشرط الضامن لتحقيق العدالة وتقليص الفوارق؟

تمكنا هذه السنة من إخراج القانون التنظيمي لمالية الدولة، بما يعني أن الوقوف عند احتياجات النساء بتحديد ميزانية مخصصة لذلك بمرجعية هذا القانون أصبحت ممكنة، وهذا يؤشر على أن أوراش التمكين للمرأة لم يبقى في إطار التمني والرجاء، ولكن تحول إلى مشاريع وبرامج ترصد لها أموال للإنجاز. وهذه إحدى بوابات تحقيق العدالة الاجتماعية.

بالرغم من أهمية المقاربة الإحسانية التي تشكل شكلا من أشكال التضامن والتآزر التي لها أهميتها، فإن غياب المقاربة الحقوقية تبقى الحقوق الإنسانية للنساء هي الخاسر الأكبرّ، والمغيب الرئيسي لكون الحق هو الأساس والمرتكز في بناء دولة المؤسسات، وأستحضر هنا صندوق الأرامل المرتكز على فلسفة الإحسان، في حين يتم تغييب حق النساء الذي يجب أن تكون الدولة هي الضامنة والحامية له، ما هي التدابير العملية لتأصيل المقاربة الحقوقية في السياسات العمومية التي تستهدف النهوض بأوضاع النساء؟

الدولة لا تشتغل بالإحسان، بل تعنى بالحقوق ولكل مواطن حق في مداخل الدولة كما عليه واجب المساهمة في بنائها وتنميتها، والدولة تنظم عملها وفق قوانين وأنظمة، وتطلق سياسات وبرامج وتحدث هيآت ووكالات وصناديق في انسجام بين مكوناتها وأجهزتها لصالح المواطن. وفي هذا السياق تنشأ صناديق التقاعد والمعاشات والتعاضديات للمنخرطين والمنخرطات، وكذا صناديق للفئات التي لا تسمح وضعيتها في المساهمة والانخراط بتمكينها من حقوقها الدستورية في التعليم والصحة..، نذكر منها صندوق التكافل العائلي للمطلقات ومحضونيهم، وصندوق التماسك الاجتماعي للأرامل وأطفالهم الأيتام، وفيه نصيب للمساعدة الطبية (راميد)، وتغطية مصاريف التمدرس (تيسير)، واستهداف الأشخاص في وضعية إعاقة بالمعينات التقنية ودعم المؤسسات المختصة بتمدرسهم… وهكذا وبموجب المواطنة يصبح للمواطن حق في مداخل بلاده التي تعمل على أجرأة عمليات الاستفادة ضمانا للحقوق وتحقيقا لنصوص قوانين دستور المملكة.

زهرة الدغوغي : السيدة الحرة

كيف تفسرون دعم الوزارة لمشاريع مراكز الإيواء وتسيرها في غياب أية حماية للنساء المعنفات والجمعيات المستضيفة لهن؟ وهل يمكن للجمعيات أن تكون شريك في حماية حياة النساء المعنفات وبديل لمسؤولية الدولة؟

الجمعيات اليوم هي شريك حقيقي في هذا المجال بحركيتها، ولكن كذلك بديناميتها الجمعوية وبخصوصية القرب من المواطنين، ونحن ندعم ماديا ومعنويا هذه الجمعيات، ومراكز الاستماع، ومديري مؤسسات التكفل أو الاستقبال للنساء وهي شراكة مسؤولة وبناءة.

عزيز إدامين : المجلس الجهوي لحقوق الإنسان

من بين التوصيات التي وافق عليها المغرب أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2014 توصية تتعلق بسن أحكام تشريعية تحظر العقوبة البدنية الممارسة على الفتيـات والفتيان في البيت والمدرسة، ما هي التدابير والإجراءات المتخذة من قبل وزارتكم لتفعيل هذه التوصيات، ولا سيما الفتيات في البيوت؟

أنجزنا دراسة حول وضع الفتيات الصغيرات في البيوت ووقفنا على ندرة هذه الظاهرة في المجتمع المغربي، وإن كانت ما تزال مستمرة في حالات محدودة. اليوم التحدي هو ألا تبقى أي فتاة قاصرة تشتغل في البيوت، باعتبار هذا الوضع فيه الكثير من الاستغلال للطفلة في مرحلة تحتاج إلى أن تتعلم وترعى وتواكب لتتفتق إمكانياتها وتؤهل لتصبح راشدة صالحة ومساهمة في بناء المجتمع، وإن بقيت في هذا الوضع طبعا ستطمس كل إمكانياتها، وطبعا لن تتمتع بطفولتها، وتكون عرضة لشتى أنواع الاستغلال، منها العنف والتحرش والاستغلال الجنسي وهي أخطر مستويات العنف الذي يمكن أن يمارس على الطفل، ونحن في هذه الأيام نخوض الحملة الوطنية لوقف العنف ضد الأطفال مع شركائنا اليونيسيف والمرصد الوطني لحقوق الطفل، وهي في الواقع بدأت تبرز في مجتمعنا بشكل حاد جدا من حيث عددها وأشكالها، مما ينذر بكون التحولات الثقافية اليوم تعرف انحدارا في السلوك المدني، وفي المرجعية القيمية في بعدها الحضاري التي تحصن المجتمع من هذه الانحرافات والسلوكات، سواء العنف الممارس ضد الطفل أو المرأة.

 

تعليقات

تعليق