آراء أخبار الساعة

نعيمة الحاجي تكتب :كيف تمضي إلى الموت شامخا كصفصافة؟

hkim2
تأليف nissaa

لم يمت، بل خطفه الموت بيد كورونا تماما كما تفعل النسور بالطيور. ذلك هو الوصف الذي ينطبق على من كان واقفا كصفصافة

يسخر مرة، يستنفر ذاكرته مرات متكررة لاستعادة قفشات من وعاء دكالة، مسقط الرأس والأضلاع التي أورثه جمجمة العروبي المحب للهزل. وبين كل حالة وحالة تلبسه أو يلبسها متعمدا، كان يدخل الحجر الصحي بضحكة تشبه ضحكة الكثيرين ممن ألقوا نكتا عن الوباء، وظلوا يتأملون صراع الديكة على من يحظى لقاحه بصفقة القرن، ومن سيغتني من أفواه الأرانب المفتوحة لترياق الحياة. لم يمل إلى إحصاء الموتى الذين يسقطون بالآلاف في بقاع العالم، ولا إلى نشر الأرقام على صفحته وكأنه يحصي حبات رمل مبللة بعرق البحر. كان مشبعا بالأمل، يلملم أوراق اللحظة المنكسرة بين أنياب صوت الإسعافات وأخبار مستشفياتنا المتعبة والعليلة، يفعل ذلك بنهم لتزجية الحزن الذي طفا على سطح الكرة الأرضية دفعة واحدة، هو ذاته الحزن الذي جعله يركب طائرة العودة من الدوحة التي استقر بها منذ ست سنوات، واحتضنته عاصمتها قطر سكرتير تحرير لمكتب موقعها: العربي الجديد، كما احتضنته شاعرا يرود القصيدة حتى تصير سبحة لأصابع تعرف صاحبها الذي عزف يوما:

أنا الآن أفهمها،

ارادت بضربة قوية على زجاج النافذة،

أن تقول لي: الخريف،

الخريف يسعل من بعيد،

سُدّ عليه مجرى الهواء

ذلك كان الراحل حكيم عنكر، الرجل الذي جرب كل شيء: النضال، الاعتقال، الصحافة، الشعر، الهجرة، العودة..والوباء العالمي..، وهو في كل تقلباته الخفيفة التي لا تشبه قامته السامقة، مصر على أن يرعى إنسانيته بكف نبتت في تربة البداوة نهاية الستينات من القرن الماضي، وهي نفسها الكف، التي سهت عن كورونا، ولم تقو على صدها إلى حين تحرير اللقاح من شد وجذب بين تجار الأوبئة والأسلحة.  فهل تراه تعب حين كتب: كورونا تحول من فيروس وأصبح مرضا سياسيا؟ً

52 سنة من عمر نظيف، قد لا تكفي للوصول إلى الأحلام البسيطة التي تزرع بأمل، وترعى بكرامة كي لا تركب طريقا منحرفا يحققها بسرعة الريح، لكن 52 سنة من عمر مقسم على مقاس لاعب كاراتيه، تكفي لترك سيرة إنسان حقيقي، حشدت أقلام جنسيات أقطارنا العربية مدادها لتكتب عن رحيلها، عن مسيرتها، عن تفاوضها الجميل من أجل إنهاء حالة العبوس: لا أحب النكاديين،  مع الوقت، بدأ العبوس يزحف، ورغم ذلك أسدد له لكمات معتبرة. إضحك يا صديق، وهزلي يا صديقة، يكفي ما نحن فيه.. « بيكفي يا زلمي »، كتب حكيم عنكر يوما، وهو يحاول الانفلات مما خلفه الفيروس بين أضلع وقلوب الناس. ولم تكن دعوته عدم مبالاة، فمن جرب السجن السياسي، واقترب وعاشر طويلا رموز النضال، وحاور مفكرين ومثقفين وساسة في أوطان تجوع وتشقى، وتقلب بين أنوال ومنظمة العمل الديمقراطي العشبي، ومسارات صحفية عديدة، لا يمكن إلا أن يلتصق بالصفيح الساخن، وبشعب تنفس، يصعد منها التصحر حين لا تقوى على الامتلاء بالهواء، فيخبرها مما قاله في ديوانه « رمل الغريب »:

سننتصر

سننتصر

ضد هذا الرأسمال النتن

ونفرح بدولة للجميع

وقبل الانتصار المأمول، صعدت روح زميل مهنة، وصديق عمر، وشاعر حرر نفسه من التهافت على دور النشر، مكتفيا ب »رمل الغريب » و »مدارج الدائرة »، صعدت الروح إلى الأعلى بعد أن التصقت بحاضرة الحال، ووصفته:

!كلهم ماتوا
هل انتهت الحياة على الكوكب المظلم؟
وأصبحت ضحكة صغيرة.. الفوز بها
مثل الصعود لمذنبات كواكب نائية محتقنة،
كلهم ماتوا
وبقيت سيرتهم في القاموس
مختصرة للغاية: قضوا نحبهم
ونسيتهم الموسيقى.

تعليقات

تعليق