افتتاحية

رهان جديد

khadija-sabil

خديجة سبيل

بقدر ما تثيرني أحيانا أي محاولة لتكريس وتنميط صورة المرأة في كل مجالات الحياة، سواء أكان ذلك عن وعي أم بدون وعي، بالقدر نفسه أصبح هذا الإحساس متعبا بل وموجعا، وموجها للكثير من سلوكاتي، وردود أفعالي.

لطالما دفعني ذلك الحرص، وبتطرف أحيانا، على أن تكون هته النافذة التي أطل من خلالها على قراء وقارئات المجلة، مع كل عدد جديد، الجسر الذي يحمل عناصر رسالتنا الإعلامية وقد حبلت بقناعاتنا وبحدود الخط التحريري للمجلة. وكثيرا ما وصلتني ملاحظات تستغرب الاتجاه الذي أخذته هته الورقة في السنوات الأخيرة، وبالضبط بتزامن مع ثورات الربيع حيث استغرقتنا الأحداث السياسية استغراقا، وأسرتنا مواكبتها في إدمان نافذ. بل إن البعض يستغرب كيف أن مجلة نسائية تهتم بأمور السياسة، وتكسر الصورة النمطية التي تحصرها في الشؤون النسائية، وتقتصر بنظرهم على الموضة والجمال، وحتى الذين كانوا ينوهون بهذا الاختيار، وبخروجنا عن «المألوف»، ظلوا يعاتبون علينا تشبتنا بغلاف يكرس «النمطية المطلوبة» عند الطرف الآخر. أي لماذا نحرص دائما على أن يكون القفطان حاضرا على الغلاف، حتى بعد أن وسعنا دائرة ارتدائه. التي لم تعد مقتصرة على عارضات الأزياء، بل بات التحدي أن ترتدي القفطان شخصيات عامة من عالم الفن والمجتمع والإعلام، ولما لا السياسة، وهو تحد أكبر مازال مستعصيا !؟ لا أقول ذلك من باب تبرير الاختيار، لكن إذا وضعناه في سياقه الصحيح، سنجد أن ثمة ظروفا فرضت هذا الاختيار، خاصة في بداية تجربة الصحافة النسائية في بلدنا، والتي انطلقت بفكرة استثمار موروثنا الثقافي، في تأكيد هويتنا «وافدا جديدا» على المشهد الإعلامي المغربي، كما كان علينا استغلال جمالية وأصالة هذا الموروث، في إثارة قراء جدد، وهن النساء بالدرجة الأولى. وبفضل هذا الاختيار الذكي، كان للصحافة النسائية دور كبير في إنعاش سوق الإشهار ببلادنا، وجلب معلنين جددا. لم تكن الأجناس الصحفية الموجودة قبلا، تستجيب لنوعية عروضهم. إذ لا يجب أن ننسى أن الإعلانات تبقى عنصرا محوريا في ضمان عيش المقاولة الإعلامية، في ظل غياب سياسة دعم قوية للمنتوج الإعلامي في بلدنا. بالقدر نفسه، ساهم هذا الاختيار في إنعاش الصناعة والإبداع التقليديين، ورد الكثير من الاعتبار لها. أصبح معها القفطان المغربي زيا عالميا متجددا، يحتفى به في أكثر تظاهرات الأزياء في مختلف مناطق العامل، وسفيرا ناجحا في التعريف ببلدنا أكثر من السفراء الحقيقيين. لماذا كل هذا الكلام اليوم، بينما ينبعث أفول ما تسمونه بالنمطية «الجاثمة» على أغلفتنا، بعد أن اخترنا أن يكون غلاف هذا الشهر قاطعا لحبل الاتصال مع باقي الأغلفة المألوفة. يظهر الغلاف اليوم بدون قفطان.. رمبا في اعتقادنا أن المرحلة الأولى استنفذت «قداستها»، ليس لإلغائها كلية، بل فقط للاعتراف، وتقبل هذا التعدد. وهو أمر ستعكسه مستقبلا أغلفة المجلة إن احببتم هذا الرهان الجديد. هو رهان يعبر عن المرأة المغربية وما يميزها عن سواها، توليفة جميلة بني انتمائها جغرافيا وثقافيا إلى الشرق والغرب. صورة المرأة المغربية اليوم مثقلة بالنمطية تتجاوز نمطية القفطان، لا تمس الشكل بل هي كامنة ومتربعة داخل تمثلاتنا الثقافية، تحكمها عقلية ذكورية قد يحملها الرجل كما قد تحملها المرأة، لا تمس فقط أصحاب النظرة التقليدية ممن يزعجهم أي انحراف عام يعتقدونه الأمثل بالنسبة إلينا نساء : طريقة لباسنا، أدوارنا في البيت وفي المجتمع، وفي العمل، وفي المشهد السياسي حيث يعترفون بوجودنا على طريقتهم، كلمسة تجميلية أو سندا مكملا لوجودهم، بل حتى النخبة المتحررة والحداثيون، الذين باسم التحرر كذلك، يمارسون ضوابطهم ونظرتهم المغرقة في النمطية. حينما تخلط بين الاختيارات الشخصية وبني الصفة العمومية. هو نفس السبب الذي يجعل عملية إقناع الشخصيات العامة خاصة في المجال السياسي، وأخص النساء أكثر، ليست بالسهلة لنا كإعلاميين. فهي بالنسبة إليهن، محفوفة بالمخاطر. قد تعرضهن للانتقاد الذي يمس في الغالب شكلهن، ويتمادى في اللعب على حبل طبيعة جنسهن، أكثر من صفتهن وكفاءتهن. إن تصدر أربع قيادات نسائية بارزة في المشهد السياسي ببلادنا لغلاف المجلة، لهو رهان جديد بالنسبة إلينا، لكسر جانب من هته النمطية، التي تحكم صورة النساء في المشهد السياسي، والتي تدفعهن في الغالب إلى التضحية بالجانب الأنثوي في شخصيتهن، حتى لا يتهمن بالسطحية. فما الذي يزعجنا في كل هته الاختيارات، ما من شك أنه مفهومنا الضيق للكثير من القيم التي ندعي أنها أساس اختلافنا وتميزنا، نحتاج معها إلى دروس حقيقية في معنى التعدد والحرية والمواطنة وكل القيم الإنسانية التي من شأنها أن تصحح وتمحي كل مكامن النمطية في عقولنا، قبل منظومتنا الثقافية لدى النخبة قبل العامة.

تعليقات

تعليق

loading...