آراء أخبار الساعة

محمد المودن يكتب : ضع الكمامة لأعرف من أنت….

تأليف nissaa

تعليق الكمامة.  تصلح العبارة بلبسها الدلالي أن تعكس واقع تطور رفع القيود ضد وباء كوفيد 19 في إسبانيا .

هنا اليوم الأول   من هذا التخفيف النوعي الذي يسمح للناس  فيه برفع الكمامة وليس إسقاطها كليا، الناس مازالت معتقلة في لحظة التردد بين ما كان مألوفا وبين ما بات متاحا. مازال الذهن يرتب المعنى ومفعول القرار وترتيبات الإجراء في حديقة الذهن.  التردد يعكسه النقاش الذي يرافقه، هل فعلا حان وقت رفع الكمامة وإن بالشروط التي وضعتها الحكومة الإسبانية لمواطنيها؟،و أن يتم وضعها في اليد وقريبة من الاستعمال في حال ما حدث أي تغير في الطريق أو في المقام الذي قد تجد لبرهة نفسك   فيه؟

تخيل مشهدا يتخلى فيه الناس عن كمامتهم لكن فور أن تمر بك جماعة من الناس أو أن تمر بها أنت، عليك أن تضعها من جديد. القانون يصرح أنه يتعين أن تظهر أنك تحمل معك كمامة قريبة من يدك، و فور تغير الواقع عليك بوضعها. الأمر ملتبس لدى الناس، ليس بسبب حداثة العهد بالإجراء، لكن أيضا بشغب السؤال: » هل حان وقت ذلك ». ولم هذا التردد؟.  أم أننا نحن بني البشر سرعان ما نقيم شعورا طافحا  بالحنين مع الأشياء التي نألفها، بما فيها تلك التي قد  تكون تؤلمنا أو تنزع عنصرا جوهريا وكونيا فينا  وتنزع  قيمة  حيوية منا  مثل الهوية نفسها؟

لقد بنينا ذاكرة مرئية للناس بظروف الوباء، أتذكر شخصيا بعض الناس بالكمامات وفور رفعهم لها تغيب ملامحهم عني، حدثت التجربة لي معي و بالتأكيد تحدث مع غيري كوني وإياهم عشنا ذات الشروط التي تحكم هذه التجربة وتنتجها. ربما يحدث الآن أن نطلب من الناس أن يضعوا لكمامة لكي نتذكرهم عكس ما كان يحدث. الكمامة هي اليوم  رمز الهوية، بعدما كانت أداة إخفاء الملامح. في الوباء الكمامة اكتسبت معاني أخرى، بما في ذلك  التي تناقض معناها الأول .  ليس هناك أمر ثابت مستقر على حال وغير خاضع لسيرورات التحول.   تظهر تجربة الكمامة، أن هناك التحول والتغيير والنسبية،  ولا مطلق إلا ما هو مطلق بذاته، وما هو مخصوص بكونه مرتفع عن سياقات الحال والأحوال.  ربما يتعين مراجعة تنصيف المعاني و   المرادفات المصفوفة على خط التقابل مع مدلول  كلمة الكمامة في المعاجم لنرصد تطور معناها.   التجربة ، وهو مقياس علمي،  يثبت حال التغيير ، فهل سيطردنا أفلاطون من جمهوريته إذا ما قلنا أن الكمامة دالة على  الهوية، وليس أداة لإخفائها. ولن يتهمنا بأننا نريد أن نعلم الشباب الشغب والسفسطة. ربما يكتسب السفسطائيون، مع تقلب الكمامة بين معاني مفارقة،  شرعيتهم التأويلية للقيم التي كانوا يناقضون فيه السائد في جمهورية أفلاطون الفاضلة.

أعود إلى اليوم الأول  من قرار رفع الكمامة هنا في إسبانيا، ألفيتني أكرر التجربة الأولى، أتفقد ملامح الناس العارية من الكمامة في الشارع، كأني أرى وجوها بشرية للمرة الأولى وهي تجوب الشوارع ، ألفيتني أعود الى الصفر لأرتب عناوين الملامح  كاملة ، بلا كمامات الوباء ، وإن بأقنعة أخرى، و هذه لم تتغير مع الوباء لأنها ضاربة أوتادها في غرائز النفس الغائرة .  إلى حد الساعة بنبينا هويتنا الطارئة بالكمامة، وإلى حد الساعة لكي نتذكر من عرفناهم بالكمامة، في هذا اليوم الذي نرفع فيه الكمامة ، عليهم أن يضعوها حتى نتذكره.  لا شك  أن معاني كثيرة لم تظل مستقرة على ذات المدلولات قبل الوباء ، وسنكتشفها في وقتها .

تعليقات

تعليق

تعليقات

تعليق